كاسل الرسالات السماوية Written by  آب 04, 2019 - 31 Views

وفاء النيل وكسر الخليج والشهيد والنيروز والغطاس أعياد أكدت عمق النسيج الوطنى فى مصر

كتب : د.مصطفى وجيه

وفاء النيل وكسر الخليج والشهيد والنيروز والغطاس أعياد أكدت عمق النسيج الوطنى فى مصر
من أشهر الأعياد التى اتخذت طابعًا قوميًا فى مصر الفاطمية عيد وفاء النيل وكسر الخليج, فقد كان فيضان النيل السنوى منذ القدم محط اهتمام المصريين على اختلاف مشاربهم, يرقبون موعده ويحسبون حسابه, وكان المصريون على اختلاف عقائدهم يهتمون بقياس مقدار الزيادة التى يسببها فيضان النهر يومًا بيوم ففى السادس والعشرين من شهر بؤونة القبطى كان يؤخذ قاع النهر أى يقاس ارتفاع منسوب الماء القديم فى النهر ليكون أساسًا تحسب عليه الزيادة.

ويبدأ إعلام الناس بمقدار الزيادة منذ اليوم التالة مباشرة وفى عصر كل يوم يقيس المشرف على مقياس النيل فى جزيرة الروضة مقدار زيادة مياه النيل لكى يعلنها المنادون فى الأسواق والطرقات حتى يطمئن الناس ويبدو دورهم مشابهًا لدور وسائل الإعلام فى عصرنا الحالى حيث نقل أخبار الفيضان اليومية إلى الناس، أما مظاهر الاحتفال بهذا العيد فكانت تتم فى بداية الدولة الفاطمية بمصر بصورة بسيطة, ثم شهدت الاحتفالات القومية لوفاء النيل تطورًا مستمرًا بعد ذلك, وأصبحت تبدأ منذ أن يكمل النهر ستة عشر ذراعًا (علامة الوفاء) فيبدأ منادو البحر فى التصريح بعدد الأذرع, حين ذلك يركب الخليفة ويشق البلد حتى ينتهى إلى صناعة الجسر وهناك تستكمل احتفالات الخاصة والعامة وقد شاهد ذلك الرحالة الفارسي ناصر خسرو وقال أنه عند الوفاء "... تكون أفواه الترع والجداول مسدودة فى البلاد كلها ويحضر السلطان راكبا ليفتح هذا النهر الذى يسمى الخليج, والذى يبدأ قبل مدينة مصر (الفسطاط) ثم يمر بالقاهرة, وهو ملك خاص للسلطان، وفى ذلك اليوم تفتح الخلجان والترع الأخرى فى الولايات كلها وهذا اليوم أعظم الأعياد فى مصر ويسمى عيد ركوب فتح الخليج.

حينما يقترب هذا العيد ينصب للسلطان على رأس الخليج سُرادق عظيم التكاليف من الديباج الرومى وموشى كله بالذهب ومكلل بالجواهر, ويعد أعظم إعداد بحيث يتسع ظله لمائة فارس، وأمام هذا السرادق خيمة من البوقلمون وسُرادق أخر كبير، وقبل الاحتفال بثلاثة أيام يدقون الطبل وينفخون البوق ويضربون الكوس فى الإصطبل لتألف الخيل هذه الأصوات، وحين يركب السلطان يصطف عشرة آلاف فارس على خيولهم سروج مذهبة وأطواق وألجمة مرصعة, وجميع لبد السروج من الديباج الرومى البوقلمون نسجت لهذا الغرض خاصة فلم تفصل ولم تخط وطُرزت حواشيها باسم سلطان مصر وعلى كل حصان درع أو جَوشَنّ, وعلى قمة السرج خوذة وجميع أنواع الأسلحة الأخرى، وكذلك تسير جمال كثيرة عليها هوادج مزينة وبغال عَمارياتها كلها مرصعة بالذهب والجواهر وموشاة باللؤلؤ, وإن الكلام ليطول لو وصفت كل ما يكون يوم فتح الخليج ".

ويستكمل ناصر خسرو المظاهر المختلفة للاحتفال بكسر الخليج ذاكرًا أن فى ذلك اليوم يخرج جيش السلطان كله فرقة فرقة وفوجًا فوجًا، وفى اليوم الذي ذهب السلطان فى صباحه لفتح الخليج استأجروا عشرة آلاف رجل أمسك كل واحد منهم إحدى الجنائب التى ذكرها خسرو وساروا مائة مائة وأمامهم الموسيقيون ينفخون البوق ويضربون الطبل والمزمار وسار خلفهم فوج من الجيش، مضى هؤلاء من قصر السلطان حتى رأس الخليج أتت الجمال وعليها المهور والمراقد ومن بعدها البغال وعليها العَماريات .
وجدير بالذكر أن هذا العيد كان من الأعياد التى يوزع فيها الخبز فى مصر فى العصر الفاطمى, فيقول ابو المحاسن فى حوادث سنة 362هـ/972م "... إذا كانت ليالى الوفاء حمل إلى المقياس من المطابخ نحو عشرة قناطير خبز, وعشرة خراف مشوية , وعشر جامات حلوى..." توزع على جميع الحاضرين من المصريين المسلمين والمسيحيين وكذلك اليهود الموجودين في الموضع المشار اليه أنفا لأن من ماء النيل سوف يزرعون جميعا ويصنعون ويبيعون وبدونها سيموتون جميعا .

وقد شاهد الرحالة ناصر خسرو فى رحلته صورة التكافل الاجتماعى للمصريين جميعا فى عيدهم القومى فى ظل التعايش والود والصداقة التى سادت المجتمع المصرى جميعه قائلا"... وفي هذا اليوم يخرج جميع سكان مصر والقاهرة للتفرج على فتح الخليج وتجرى فيه جميع الألعاب العجيبة..."
وهذه العبارة الأخيرة تدل على الحريات الاجتماعية التى مورست من قبل جميع سكان مصر مسلمين وغير مسلمين داخل إطار الحياة العامة للمجتمع ولم تكن تلك الصور فقط هى صور التعايش بين أفراد المجتمع المصرى فى العصر الفاطمى فى الاحتفال بكسر الخليج, فقد جرت العادة أن يقوم عامة أهل مصر على اختلاف عقائدهم بالاحتفال بذلك العيد بتزيين الدور والأسواق والاحتشاد لرؤية الموكب الذى يشق القاهرة ومصر فى ذهابه لكسر الخليج والعودة ثانية بنفس الأبهة والعظمة, كما أن العامة كانوا يقومون بتخليق وجوه أطفالهم بالطيب تيمنا بتخليق عمود المقياس في ذلك اليوم .

عيد الشهيد

أمّا عيد الشهيد فقد اتخذ طابعًا دينيًا وقوميًا وكان موعده السنوى فى ثامن شهر بشنس القبطى ويتم الاحتفال به على شكل مهرجان كبير على ساحل النيل بناحية شبرا وهو يرتبط بما كان أقباط مصر آنذاك يعتقدونه من أن النيل لا يزيد فى موسم الفيضان إلا بعد غسل أصبع أحد القديسين فى مائه وكان هذا الأصبع يحفظ فى تابوت بكنيسة فى شبرا, وقيل أنه أصبع أحد أسلافهم من الشهداء.
وفي هذا العيد يتوافد الأقباط من شتى أنحاء البلاد, كما يخرج أهل العاصمة على اختلاف أديانهم واهتمامتهم إلى ساحل شبرا لمشاهدة هذا الاحتفال الضخم حيث تقام الخيام بأعداد هائلة على ساحل النيل وفوق الجزر التى وسط مجراه, حيث يجتمع المغنون والمغنيات والألعاب المختلفة ويحفل المهرجان بشتى صنوف اللهو والفرح والمرح

عيد النيروز

هو عيد رأس السنة القبطية في أول شهر توت ويغلب على الظن أن عادة الاحتفال بهذا العيد متوارثة عن قدماء المصريين على الرغم من اسمه الفارسى -ومعناه اليوم الجديد-, فقد كان المصريون فى مصر القديمة يحتفلون بهذا العيد إكرامًا لنهر النيل وقد اعتبر هذا العيد عيد الربيع الذى تبدأ بعده زيادة مياه النهر الذى يستكمل مياهه فى الخريف أو أواخر الصيف" وربما ذلك يعد تفسيرا معقولا لمشاركة أطياف المجتمع المصرى جميعها, بغض النظر عن دياناتهم في الاحتفال بهذا العيد.

وكان الاحتفال بالنيروز يأخذ شكل الاحتفالات القومية فيكون اليوم بمثابة عطلة عامة , فتغلق الأسواق وتعطل معها المدارس في ذلك اليوم قال عنه المقريزي زمن الفاطميين "وكان النوروز القبطى فى أيامهم من جملة المواسم فتتعطل فيه الأسواق ويقل فيه سعى الناس فى الطرقات وتفرق فيه الكسوة لرجال أهل الدولة وأولادهم ونسائهم والرسوم من المال وحوائج النوروز..."

وقد نقل المقريزي أيضًا عن ابن زولاق مظاهر الاحتفال التى كانت تتم إذ يقوم المصريون فى هذا اليوم برش الماء في الشوارع ويشعلون النار ويطوفون بالأسواق وهم حاملين تمثال على شكل فيل وتماثيل وعرائس ملونة وهم يعرضون ألعابهم ومضاحكهم وزادوا فى الألعاب عن الحد حتى استمر الاحتفال بالعيد ومظاهره سنة 364هـ ثلاثة أيام مما دفع المعز لدين الله بالمنادة بالكف عن تلك الأفعال وأن لا توقد نار ولا ترش ماء وأخذ قوم فحبسوا وأخذ قوم فطيف بهم على الجمال

واستمرت احتفالات المصريين فى عهد خلفاء المعز بالله وكان لهذا الاحتفال تقاليد معينة ذكرها ابن المأمون فى حوادث سنة 517هـ اذ وافق عيد النيروز فى العام المذكور التاسع من رجب وقد وصلت بهذه المناسبة الكسوة التى جرت العادة على توزيعها بمناسبة النيروز "... من الطراز وثغر الإسكندرية مع ما يبتاع من المذاب المذهبة والحريرى والسوادج وأطلق جميع ما هو مستقر من الكسوات الرجالية والنسائية والعين والورق وجميع الأصناف المختصة بالموسم على اختلافها بتفصيلها وأسماء أربابها ..." علاوة على فاكهة معينة توزع فى أيام الاحتفال بالنوروز من البطيخ والرمان وعراجين الموز وأفراد البسر وأقفاص التمر القوصى إذ جرت العادة على أكل الناس التمر قبل النوروز علاوة على أقفاص السفرجل والهريسة المعمولة من لحم الدجاج ولحم الضأن ولحم البقر ..وغير ذلك من الأطعمة والفاكهة والحلوى التي خصصت لهذا العيد. ولها حسابات يؤكد ذلك ما رواه ابن المأمون من أن كاتب الدفتر أحضر الإثباتات بما جرت العادة به من اطلاق العين والورق والكسوات على اختلافها وغير ذلك من جميع الأصناف وهو أربعة آلاف دينار وخمسة عشر ألف درهم فضة.

عيد الغطاس

هناك مناسبة مصرية/قومية /دينية أخرى ذكرها المسعودى فى مروج الذهب قائلا : أنه كان "... لليلة الغطاس شأن عظيم عند أهلها, لا ينام الناس فيها ...". وكان أهل مصر فى ذلك اليوم على اختلاف مللهم ومذاهبهم وأيضا على اختلاف طبقاتهم, يبدون فرحهم, ويظهرون الطيب مما لا يتحقق لهم فى سائر أيام السنة، وعلى الرغم من أن عيد الغطاس مناسبة دينية بحتة, ففيها هى الأخرى شارك المسلمون إخوانهم المسيحيون في الاحتفال بهذا العيد, وليس أدل على ذلك من أن متولى الشرطة فى مصر الفاطمية كان يخرج فى أول الليل فى موكب كبير وقد أرتدى أجمل ثيابه, ويحيط به حملة المشاعل والشموع الموكبية ويطوف فى الطرقات مناديا فى الناس أن لا يختلط المسلمون مع النصارى فى تلك الليلة حتى يمارس النصارى شعائرهم في سلام, وهذا يدل على أن المسلمين والمسيحيين كانوا نسيجًا واحدًا

وبداية من سنة 415هـ بدأ احتفال الغطاس يأخذ طابعًا رسميًا يشارك فيها الخلفاء أنفسهم الأمر الذى يبين وصول مجتمع مصر آنذاك إلى ذروة التعايش السلمى بل يعد العصر الذهبى للتعايش السلمى, ففى السنة المذكورة كما ينقل المقريزى عن المسبحى أذن للأقباط بإظهار طقوسهم والاحتفال بالغطاس فاحتشد المسلمون والأقباط على ضفتى النيل أمام المقياس, وضربت أعداد كبيرة من الخيام ووضعت بها الأَسِرَّة لأعيان القبط وقد اكتظ النيل بالمراكب والزوارق وازدحم فيها خلق كثير من العامة والخاصة مسلمين ونصارى, وعند دخول الليل زينت المراكب بالقناديل واشتعلت الشموع, كما اضيئت الشواطئ بآلاف المشاعل والفوانيس ونزل الخليفة الظاهر بأحد المناظر المطلة على النيل لمشاهدة الاحتفال ومعه نساء القصر, وأمر متولى الشرطة بحفظ النظام, ومراقبة الناس, ونودى بألا يختلط المسلمون بالنصارى عند نزولهم النيل, فضرب متولى الشرطة خيمته عند الجسر, لمراقبة الاحتفال ومعه أعوانه وحضر الرهبان ورجال الدين المسيحى يحملون الصلبان وحولهم الشموع ورتلوا صلواتهم وأدعيتهم حتى تم الغطاس، وفى تلك الليلة يشعل أكثر من ألف مشعل على الشطوط, ولا يغلق فيها دكان ولا درب ولا سوق, ويتبادل الناس فى هذه الليلة الهدايا من أصناف الطعام والحلوى المختلفة, وكانت العادة أن يضاء سوق الشماعين وكانت حوانيته لا تزال مفتحة إلى نصف الليل حيث يقصدها كثير من الناس وكان من رسوم الدولة أن يفرق على جميع أهل الدولة النارنج والليمون والقصب والسمك والبورى برسوم مقررة

من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.