كاسل الرسالات السماوية Written by  أيار 29, 2019 - 356 Views

دُوُر العبادة أَمْ دَوْر الفرد ؟!

بقلم البروفسير الاستاذ الدكتور :رشدي دميان 



 
 أولاً أرجو أن يسمح لي القُرَّاء الأعزَّاء بتوضيح الفرق فى المعنى بين كلمتي (دُوُر و دَوْر) واللتان تَتَكَوَنَا من نفس الحروف ، ولكن بعلامات تشكيل مختلفة على كلاً منهما :

١. (الدُوُر) بضم حرفي الدال والواو هي جمع (ديار) التي تعني البيوت أو المساكن أو المنازل أو المدارس والجامعات (دار العلوم كمثال) وكذلك تعني بيوت المسنين والعجزة (دار الأرامل والأيتام كمثال ثاني) وأيضاً المستشفيات (دار الشفاء كمثال آخر) وأماكن الصلاة والعبادة (المعابد ، الكنائس والمساجد والجوامع والزوايا) .

٢. (الدَوْر) بفتح حرف الدال وتسكين حرف الواو ، ويعني الواجب أو المَهَمَّة أو الوظيفة التي على الفرد تأديتها ، ويعني أيضاً دَوْر (مَهَمَّة) الأب والأم والمدرسة والمسجد والكنيسة وغيرهم على سبيل المثال فى تقويم وتربية وتنشئة وتعليم الأولاد الصغار بصفة خاصة ، والأفراد بصفة عامة .
 
 
 ظهرت في الآونة الأخيرة إشكاليات كثيرة بلا حصْر أو عدد حول قانون أو قوانين تنظيم إنشاء وبناء دور العبادة ، ويقيني أنها -أي القوانين- لم ولن تنتهي طالما أن الجدل يظل قائماً وبلا نهاية عن المسموح وغير المسموح قانوناً ، والجائز قولاً شفاهياً أو شرعاً مبنياً على نُصُوصٍ مكتوبة ، والإستثنائي من هذه القوانين على سبيل التعاطف والمروءة الإنسانية .

هنا أريد التأكيد على أني لست بصدد مناقشة هذه القوانين ، ولا متى صدرت ولا الدوافع التي كانت وراء صدورها ، ولا حتى لماذا بقيت سارية ونافذة المفعول بعد أن مضى عليها المئات من السنين منذ أن أصدرها حكام وولاة عُرِف َ عنهم أنهم لم يحكموا بالعدل مثل البعض من أسلافهم ولم يسيروا على نهجهم في التعامل مع أصحاب الديانات والعقائد الأخرى ؟!

كما وقد أصبحت هذه القوانين لا تناسب ولا تتناسب مع العصر الحالي ولا مع التطورات العالمية ، الدولية منها والمحلية ، وبالأكثر فإنها لا تتوافق بأي حالٍ من الأحوال مع أبسط مبادئ الحقوق التي يكفلها المجتمع الواعي والمُتَحَضِّر للإنسان .

كما أرجو أن لا تُؤْخَذ وجهة نظري هذه على محمل التحيُز لِفَرِيقٍ بعينه دون آخر ، لأن ما يعنيني هنا هو مناقشة بناء وتنمية الحِسِّ والمشاعر والأحاسيس النفسية والمعنوية والأخلاقية للفرد ، هذه التي تُهَيِئَهُ لأن يتفَّهَّم ماهيَّة دُوُر العبادة ، وكما يُدْرِكُ أنها حق له ، كذلك عليه أن يدرك أيضاً أنها حق لغيره من الناس ، حتى وإن إختلفت فى المضمون ، وأنه لا فرق فى بنائها إذا كانت تحمل مئذنة لمسجد عليها علامة الهلال ، أو فوقها منارة كنيسة عليها إشارة الصليب ، أو حتى معبد يهودي عليه علامة نجمة دَاوُدَ .
 
الجدل الدائر و (المناقشات السوفسطائية)* حول قوانين بناء دور العبادة هذه التي مكوناتها لا تعدو أن تكون عبارة عن مواد خرسانية جامدة بلا حركة أو مشاعر وأحاسيس حتى وإن كانت لها مدلولات إيمانية وعقائدية في الطقوس التي تُؤَدَى داخلها ، هو جدل عقيم لا ولن يُجْدِي ولن يُفِيد ؟!

 إذن أيهما أهَّم وأنفع وأجْدَى ، مناقشة إصدار تراخيص (دُوُر عبادة) من مبانٍ أسمنتية وخرسانية صلبة وجامدة حتى لو كانت ذات نمنمات وزخرفات وأثاثات غالية الثمن وباهرة وأيَّاً كان حجمها وفخامتها ؟!

أم العمل على بناء (دَوْر الفرد) وتجهيزه علمياً ونفسياً وأخلاقياً للتعايش مع بني جلدته من البشر ؟!

 (دُوُر العبادة) إذا كانت لا تعمل على تفعيل وتحفيز (دَوْر الفرد) في المجتمع الذي يعيش فيه ، هى أشبه بالفنار الذى لا يعطي ضوءاً للهداية والإرشاد ، أو بسفينة بلا قائد أو قبطان ولا دفة قيادة ؟!
 
* (المناقشات السوفوسطائية)
هى مشتقة عن مذهب فلسفي ظهر فى القرن الخامس قبل الميلاد ويعني ترك لُبّْ الموضوع المُراد البحث فيه وذلك بالتركيز فقط على البلاغة والخطابة التي تقلب الحقائق وتخلط الأمور عن طريق المناقشات والجدل وتمويه الحقائق المقبولة والمنطقية إلى ما لا نهاية دون أيَّ فتورٍ أو ملل .


من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.