* الدين والعلم والأخلاق ...رسائل سلام *
كاسل الرسالات السماوية Written by  آب 04, 2019 - 264 Views

الدين والعلم والأخلاق ...رسائل سلام

بقلم البروفسير الاستاذ الدكتور | رشدي دميان


 
"وأرْفَعُوا دَوْلَتِى عَلَى العِلْمِ والأخْلاق فالْعِلْمُ وَحْدَهُ لَيْسَ يُجْدِى" ؟!
 
بَيْتٌ من قصيدة
(مصر تتحدث عن نفسها)
التي كتبها شاعر النيل حافظ إبراهيم (١٩٣٢/١٨٧٢م) على لسان مصر تقول في مطلعها :

"وَقَفَ الخَلْقُ يَنْظُرُوُنَ جَمِيِعَاً
كَيْفَ أبْنِيِِ قَوَاعِد المَجْد وَحْدِي"

 
 وعندما كتبها في بداية القرن الماضي كان العِلْمُ هو أحد الأسس والركائز الأولى في بناء ورقي الدولة ، وعلى ذلك نادى مطالباً -على لسان مصر الدولة بينما تتحدث عن نفسها- بأن تكون الأخلاق مواكبة أيضاً للعلم من أجل رفعة شأنها ومكانتها بين كافة الدول الأخرى في جميع أنحاء العالم ؟!

 لم يُشِر حافظ إبراهيم -على لسان مصر- إلى إرتباط العلم والأخلاق بالديانات في ذلك الوقت ، ربما لأن المسألة الدينية لم تكن ذات شُغلٍ شاغل بالنسبة للغالبية العظمى من الشعب المصري آنَذَاك نظراً لعدم ظهور الصراعات بين الفِرَق المختلفة في المذاهب بشكلٍ كبير من ناحية ، ومن ناحية أخرى لم تكن هناك أية نداءات بالحث على الكراهية والتكفير كما هو الحال هذه الأيام ، ومن ناحية ثالثة وهي الأهم ، فقد كان هناك إلتزاماً ضمنياً راسخاً بنصوص وشرائع الدين الإسلامي والمسيحي في السلوك البشري وفي التعامل بين الأفراد بعضهم البعض ، وأيضاً في كل أمور الحياة اليومية في المجتمع والدولة ككل ، وكان هذا الإلتزام غير قابل للتأويل أو التناقض بين أفراد الشعب على إختلاف توجهاتهم ودياناتهم ومشاربهم بصفة عامة .



 ذلك لأن الدين والأخلاق هما وجهان لعملة واحدة ، فالأخلاق تتعلق بحياة الإنسان وشخصيته ونزعاته الداخلية ومظاهره الخارجية بالإضافة إلى علاقاته الإجتماعية ، كما وأن الأخلاق هي أحد ركائز الدين وهي الغاية التي من أجلها جاء الأنبياء والرسل لهداية البشر .

 ففي الديانة الإسلامية نجد أن الأخلاق ليست سلوكاً فقط ، وإنما هى عبادة أيضاً ، وتُعْتَبَرُ أحد عوامل المُفَاضَلَة بين الأفراد في اليوم الأخير ، وهى من أهم الدوافع التي تعمل على نشر المحبة والوئام وإنهاء العداوة والخصومة ليس بين أفراد القبائل والجماعات المختلفة في بُقْعةٍ واحدة من الأرض فقط ، ولكن بين جميع أفراد شعوب العالم قاطبة .

ومن المعروف أن الأخلاق الحميدة هى نوع من أنواع الجمال الداخلي للإنسان الذي يُعْرَف بالجمال الحِسِّي ، بالإضافة إلى الجمال الخارجي أو جمال المظهر الذي هو (لِبَاس التقوى) بالمعنى المَجَازِي بحسب ما جاء في (سورة الأعراف ٢٦) :

"يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً يُوَارِي سَوْءَاتِكُم وَرِيِشَاً وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آياتِ الله لعلهم يَذْكُرْون" .

وأيضاً في الديانة المسيحية ، فإن الأخلاق كسلوكٍ بشري يجب أن تكون كما تشترطها وتنص عليها التعاليم السمائية التي يسير على نهجها كل الذين يؤمنون بالله الذي هو :

"المُحِب للبشر Philanthropist"

وكما هو معروف فإن المحبة هى إحدى علامات الأخلاق الطيبة والدليل عليها .

وتوجد أمثلة كثيرة في الإنجيل تَحُثُ على أهمية إتباع قواعد الأدب القويم والأخلاق الكريمة وأيضاً العلم في حياة الإنسان على الأرض ومنها ؛

"وَجِّه قَلْبَكَ إِلَى الأَدَب ، وأُذُنٍيْكٍ إِلََى كٍلِمَات المَعْرِفَة" سفر الأمثال ١٢:٢٣


وعن الربط بين الدين والعلم نجد أيضاً أن كلاً من الديانتين الإسلامية والمسيحية لا تفصلا ما بينهما على الرغم من وجود بعض الآراء التي تصف العلاقة بينهما على أنها نوع من أنواع الصراع ، والبعض الآخر ينادي بأنهما متوافقان ، والبعض يقول أنه يوجد القليل من التفاعل بينهما ؟!


 واحد من علماء المسلمين الذين كان لهم أثر كبير في النهضة العلمية في الغرب وهو : (إبن الهيثم) أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم البصري وهو فيزيائي وعالم رياضيات وفيلسوف وعالم فلك ومهندس (١٠٤٠/٩٦٥م) .

وقد كانت لأبحاثه وإكتشافاته أثر كبير حيث أفادت الكثير من علماء وفلاسفة الغرب مثل روچر بيكون و كوبر نيكوس و رينيه ديكارت .

وأيضاً من العلماء المسيحيين هو أبو سعيد عبيد الله بن يشوع (١٠٥٨/٩٤٠م) وهو طبيب وفيلسوف ومن أهم كتبه هو "طبائع الحيوان وخواصها ومنافع أعضائها" الذي أفاد علماء الغرب منه الكثير في أبحاثهم الدوائية وإكتشافاتهم في العقاقير وفي تشخيص الأمراض والوقاية منها .



كل ذلك في الماضي حيث كان الكل يعمل على رفعة الأمة وتقدمها ؟!

ولكن حالياً بات من الواضح أننا الآن أصبحنا نأخذ من الديانات شكلها فقط ، ومن العلوم ما نعتمد عليه من الغرب ، ومن الأخلاق إلا ما نَدَر منها ؟!

 
 وهنا يجدر بالذكر أن حافظ إبراهيم كان قد أنهى هذه القصيدة "حديث مصر عن نفسها" بالبيت التالى :

"نحن نجتاز موقفاً تعثُرُ الآراء فيه ... وعَثْرَةُ الرأى تُرُدِى* "

 وياليتها كانت عَثْرَة واحدة ، ولكنها عثرات كثيرة ومريرة لا حد لها ولا عدد أصبحنا نعيشها الآن ؟!
فمتى نُفِيق من العثرات ونعود كما كنّا إلى جادة الطريق في الحياة من خلال الدين والعلم والأخلاق ؟!
——
*(تُرْدِى) فعل مضارع يعني يُهْلِك أو يُمِيِت ، من جذر إسم (الرَدَى) ومعناه الهلاك أو الموت .


من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.