* رسائل السلام *
كاسل الرسالات السماوية

كاسل الرسالات السماوية

اللقاء الرابع والعشرون للجنة الاتصال الكاثوليكية – اليهودية الدولية

المصدر : فاتيكان نيوز 
نشرت صحيفة أوسيرفاتوريه رومانو الفاتيكانية مقالا تطرقت فيه إلى اللقاء الرابع والعشرين للجنة الاتصال الكاثوليكية – اليهودية الدولية والذي عُقد في روما خلال الأيام الماضية وبالتحديد من الثالث عشر وحتى السادس عشر من أيار مايو الجاري.

هذه اللجنة الدولية هي الهيئة التي تربط بين لجنة الكرسي الرسولي للعلاقات الدينية مع اليهود واللجنة الدولية اليهودية من أجل المشاورات بين الأديان والتي تضم منظمات عالمية يهودية مُكلفة بإقامة علاقات رسمية مع باقي الهيئات الدينية العالمية. ذكّرت الصحيفة الفاتيكانية بأن لجنة الاتصال الكاثوليكية – اليهودية الدولية عقدت أول اجتماع لها في العام 1971 وكان ذلك في العاصمة الفرنسية باريس، وقد طبع هذا الحدث التاريخي إقامة علاقات بين اليهودية والكنيسة الكاثوليكية في أعقاب صدور البيان المجمعي "في عصرنا" الذي دشّن مرحلة جديدة من العلاقات بين الكاثوليك واليهود.

الاجتماع الرابع والعشرون للجنة استضافه مجلس أساقفة إيطاليا بالتعاون مع لجنة الكرسي الرسولي للعلاقات الدينية مع اليهودية، وشاركت فيه وفود قدمت من بلدان عدة، وقد شهدت الأعمال مشاركة شخصيات مرموقة في إيطاليا، من بينها رئيس الوزراء جوزيبيه كونتيه، فضلا عن الكاردينال كورت كوخ والحاخام دانيال بوليش، اللذين تطرقا في مداخلتيهما إلى أهداف المشاركين في الأعمال وتطلعاتهم. وكانت أيضا مداخلات لرئيس مجلس أساقفة إيطاليا الكاردينال غوالتييرو باسيتي ورئيسة اتحاد الجاليات اليهودية الإيطالية السيدة نويمي دي سينيي، فضلا عن ممثلين عن الكنيسة الكاثوليكية والجالية اليهودية في روما. جرت الأعمال حول موضوع "شعوب، أفكار وحدود في تحرّك"، وعكست اهتمام الطرفين – الكاثوليكي واليهودي – في مواجهة التحديات الكبيرة المطروحة اليوم أمامنا، وفي طليعتها ظاهرة الهجرة العالمية. وتمت الإشارة أيضا إلى الأيديولوجيات والسياسات والمواقف العدائية التي رافقت هذه الظاهرة العالمية.

وأقر المؤتمر بالخيارات الجذرية والمؤلمة غالباً التي يتعين أن يتخذها يومياً صانعو القرارات السياسية والمؤسسات الاجتماعية والقادة الدينيون. وتم تسليط الضوء في هذا السياق على المبادرات التي اتخذتها حكومات العالم حيال هذه الظاهرة وسبل تعامل المنظمات غير الحكومية مع الإجراءات والسياسات المتّبعة. ولم تخل المداخلات من الإشارة إلى بعض الأعمال البطولية التي سُجلت في مختلف الأوساط الكاثوليكية واليهودية من أجل التعامل مع هذه الظاهرة والتجاوب مع الأزمة الإنسانية الكبيرة الناجمة عنها. وعبرت الوفود عن التزامها في البحث عن الوسائل الكفيلة في مواجهة كل التحديات المرتبطة بتنقل الأشخاص على الصعيد المحلي، الوطني والدولي.

هذا ثم لفتت صحيفة أوسيرفاتوريه رومانو في مقالها إلى أنه تسنت للمشاركين في هذا المؤتمر فرصة لقاء البابا فرنسيس يوم الأربعاء الفائت في أعقاب مقابلته العامة مع المؤمنين، وأشارت إلى أن البابا أكد أن الاجتماع الذي تعقده اللجنة يرمي إلى تطوير نقاط التقاء وتعزيز قدر أكبر من التعاون، مضيفا أن النقاشات تتناول أيضا قضايا آنيةً، شأن المقاربة المشتركة حيال اللاجئين، والسبل الكفيلة في مساعدة هؤلاء، بالإضافة إلى مشكلة تنامي معاداة السامية، والقلق الناجم عن اضطهاد المسيحيين في مناطق عدة من العالم.

وكان البابا فرنسيس قد وجّه كلمة تشجيع إلى ضيوفه مؤكدا لهم أن الحوار هو السبيل الذي يسمح بتحقيق تفاهم أفضل بين الطرفين وبالعمل معاً من أجل خلق جو، لا يتّسم بالتسامح وحسب، بل أيضا بالاحترام بين الديانات. وقال لهم: إن قوتنا هي القوة اللطيفة للتلاقي، لا للتطرف الذي يبرز في بعض المناطق اليوم

فتاوى ؛ القوامة تحمل معنى الشوري والإسلام أعفى المرأة من بعض التكاليف الشرعية مراعاة لها

كتب : فاطمة محمد 
 
 
قال فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، إن الإسلام أعفى المرأة من بعض التكاليف الشرعية، مراعاة لما فيها من المشقة، فقد أعفى المرأة من الصلاة في حالات خاصة، في حين لم يعفي الرجل من الصلاة حتى في حالة مرضه، كما أعفى المرأة من الجهاد أو الخدمة العسكرية، لما يلاقيه الجندي من أهوال في الحروب، كما أعفاها أيضًا من اتباع الجنائز وصلاة الجمعة، وأوضح فضيلته أن هذه الأحكام طبقت على أساس ما تطيقه المرأة وفق ظروفها البدنية والعضوية، فالمساواة بين المختلفين ظلم.
وأضاف فضيلة الإمام الأكبر خلال برنامجه الرمضاني على التلفزيون المصري "حديث شيخ الأزهر "، أن الإسلام خص المرأة أيضًا بلبس الذهب والحرير، وحرمه على الرجل، كما أباح لها النوم على فراش الحرير وحرم على الرجل ذلك إلا إذا كان سينام مع زوجته، فقد أباح له الإسلام النوم معها على الحرير إرضاء للزوجة، بل إن الشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي قال إن الله لما تجلى لسيدنا موسى لم يكن موسى قائمًا للصلاة بل كان ذاهبًا لإحضار قبس لزوجته أي كان في خدمة أهله وهو معنى مهم.
واختتم فضيلته الحلقة بقوله إن القوامة لا تعني التسلط، بل تحمل معاني الشورى والتشاور والدليل على ذلك قوله تعالى:

" والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما"، وهذا يعني أنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بقرار فطام الولد قبل سنتين، كما أن سيدنا أبوبكر حين قال "وليت عليكم ولست بخيركم" بين أن الولاية لا تستلزم الأفضلية، رغم أنها ولاية أكبر من ولاية الرجل على المراة.

 

الإمام الأكبر: تلاحم المصريين في المناسبات والأعياد يعد نموذجًا فريدًا للتعايش في العالم

كتب : فاطمة محمد

استقبل فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وفد الطائفة الإنجيلية المصرية، برئاسة القس الدكتور أندريه زكي، رئيس الطائفة الإنجيلية، للتهنئة بمناسبة شهر رمضان المبارك وقرب حلول عيد الفطر المبارك.

أعرب فضيلة الإمام الأكبر عن سعادته بتهنئة رموز الطائفة الإنجيلية له، مبينًا أن تلاحم المصريين وتشاركهم في جميع المناسبات والأعياد يقدم للعالم نموذجًا فريدًا للتعايش بين أبناء الوطن الواحد.

من جانبه قدم وفد الطائفة الإنجيلية التهنئة لفضيلة الإمام الأكبر بمناسبة شهر رمضان المبارك وقرب حلول عيد الفطر المبارك، متمنين لفضيلته ولجميع المسلمين دوام الصحة والعافية، ولمصر بدوم الأمن والاستقرار، مؤكدين أن فضيلة الإمام الأكبر يمثل أكبر قامة دينية في العالم الإسلامي.

شيخ الأزهر : الحضارة الإسلامية يراد لها أن تذوب في الحضارة الغربية

كتب ؛ مهند نسيم 

الحضارة الإسلامية يراد لها أن تذوب في الحضارة الغربية
و هناك تسلط غربي مكشوف على قيمنا وثوابتنا

قال فضيلة الإمام الأكبر، أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، إن الحضارة الغربية المعاصرة تحاول أن تفرض ثقافتها وأنماطها على العالم الإسلامي, خاصة فيما يتعلق بالمساواة بين الرجل والمرأة، تارة تحت شعار حقوق الإنسان, وتارة أخرى تحت شعار تعليم الديمقراطية، لأننا بالنسبة لهم غير مؤهلين لأن نتعامل على مستوى الديمقراطية أو الحضارة الغربية، مشيرًا إلى أن مسألة حقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب كثيرًا ما يراد بها إالا باطل، وكثيرا ما تكون لافتة مزيفة لتسهيل وتمكين قبضة الحضارة الغربية على الشعوب العربية والإسلامية.

وأوضح فضيلة الإمام الأكبر خلال حديثه في الحلقة السادسة عشر من برنامجه الرمضاني على التليفزيون المصري، أن الحضارة الإسلامية واحدة من النقاط المضيئة في التاريخ المعاصر بالنسبة للإنسانية والقيم الأخلاقية وتوازن شخصية الإنسان، مضيفًا أن هذا الشرق الأصيل في حضارته وقيمه وأخلاقه، يراد له أن يلبس الثوب الغربي ويذوب في حضارته المزيفة تحت لافتات حقوق الإنسان، لدرجة أنهم طالبوا بل تعدوا مرحلة المطالبة إلى مرحلة سن القوانين لزواج الرجل بالرجل وزواج المرأة بالمرأة، وما يترتب عليها من حقوق وحضانة وأولاد.

وأضاف فضيلته أن هناك تسلطًا غربيًا واضحًا ومكشوفًا على قيمنا وثوابتنا وأخلاقنا، فيهاجمون مسألة حقوق المرأة في الإسلام، ثم يهاجمون قضية الزواج، ومؤخرًا يهاجمون قضية المساواة في الميراث وأن المرأة تأخذ نصف الرجل في الميراث، ورأينا ما حدث في بعض البلاد الإسلامية، وللأسف الشديد صمتت عنه المؤسسات الدينية وصمت كثير من العلماء صمت القبور، موضحًا أن المساواة في الإسلام قيمة لا تنقلب إلى ظلم أبداً، وهي حامية لمفهوم العدل.

وأشار فضيلة الإمام الأكبر إلى ما ذكره الألماني هوفمان في كتابه " الإسلام كبديل"، أن المرأة في الغرب حتى وقت قريب كانت تتقاضى أجرا عن العمل أقل من الرجل في نفس نوع العمل وعدد الساعات، وهذا إعتراف بأنه لا توجد مساواة مطلقة لدى الغرب، ولاتوجد قدرات بدنية للمرأة مساوية للقدرات البدنية للرجل، لافتًا إلى أن الحضارة الشرقية على عكس ذلك تمامًا؛ حيث تجد أن المرأة تأخذ مثل الرجل في العمل الواحد، وأحيانا تأخذ مميزات إضافية عن الرجل، وهذا مؤشر على أن حضارتنا الإسلامية حضارة إنسانية تحترم المرأة.

واختتم فضيلته حديثه بأن مفهوم المساواة في القرآن مفهوم إنساني، بخلاف مفهوم المساواة فى الغرب فهو مادي بحت، مشيرًا إلى أن الصيحات الموجودة حاليًا بوجوب مساواة الرجل بالمرأة، ليس المقصود بها المساواة إطلاقا، وإنما المقصود بها ضرب الثقافة الشرقية والدين الإسلامي.


 

خطيب الجامع الأزهر: القرآن يهيئ النفوس لمجابهة الشدائد ويمنح الإنسان عزيمة قوية



ألقى الدكتور إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، خطبة الجمعة من الجامع الأزهر، ودار موضوعها حول القرآن الكريم، وفضله على المسلمين وفضل تلاوته وتدبر كلماته ومعانيه وتطبيقه تطبيقًا عمليًّا في حياة المسلم وفي التعامل مع الآخرين.

وقال الدكتور الهدهد إن القرآن مأدبة الله، ويجب على المسلم أن يبادر إلى هذه المأدبة وألا يحرم نفسه من قراءة القرآن والفوز بالدرجات والحسنات وتقوية النفس والقلب والجسد، لأن القرآن شفاء للصدور والأبدان، وهو حبل الله المتين والنور المبين الذي يضيء الحياة وبينات من الهدى والفرقان، والتمسك به يعصم من الهوى والضلال، ويأخذ المسلم إلى الهدى والرشاد.

وحث خطيب الجامع الأزهر المسلمين على مداومة قراءة القرآن وتدبر معانيه وتنفيذ تعاليمه والتأدب مع الله عند قراءته، حيث إن القرآن يهيئ النفوس لمجابهة المصاعب والشدائد ويمنح الإنسان عزيمة قوية لا تمنحه إياها كثرة النوم أو كثرة الطعام كما يظن بعض الناس، داعيًا إلى تقديم بناء القلوب على بناء القوالب، حتى تصل هذه الأمة إلى مجدها المنشود وتكون دائمًا أقوى الأمم.

واستدل رئيس جامعة الأزهر الأسبق بقول الله عز وجل لنبينا محمد ﷺ:

(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا)، وذلك تمهيدًا للتكليف الذي سينزل على رسول الله ﷺ، والذي قال عنه الحق سبحانه:

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا)، وهنا دلالة على فضل تلاوة القرآن وقيام الليل في تقوية القلب والبدن وقدرة الإنسان المسلم على تحمل الشدائد.

السيرة النبوية : غزوة أحد

بقلم المستشار : سالم العقيلي 
المركز العالمي لأبحاث السادة الإشراف 

غزوة أحد

أسلفنا أن قريشًا طعنت طعنة لم تكن تتوقعها أبدًا في غزوة بدر، وقد بذلت محاولات متعددة لأخذ ثأرها واستعادة هيبتها ولكنها باءت جميعًا بالخيبة والفشل؛ فغزوة السويق التي قام بها أبو سفيان كانت أشبه بحملات قطاع الطرق؛ فقد قام فيها ببعض أعمال التخريب في أطراف المدينة ثم لاذ بالفرار السريع دون أن يحقق شيئًا ذا بال فهو عمل لم يرض غل القرشيين أو ينفس عن أحقادهم
وتحريض قريش للقبائل القريبة من المدينة على الرسول صلى الله عليه وسلم فشل فشلاً ذريعًا كما رأينا بفضل يقظة الرسول صلى الله عليه وسلم ومبادأته بتفريق شملهم وتشتيت جمعهم حتى لا يتحدوا عليه
وجاء استيلاء زيد بن حارثة على قافلة قريش ضربة موجعة رأت فيها قريش تهديدًا خطيرًا لها في تجارتها واقتصادها

لكل هذا فكرت قريش في عمل كبير تسترد به هيبتها، فاجتمع من بقي من أشرافهم بأبي سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدًا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه، فعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا
وفيهم نزل قول الله تعالى:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ سورة الأنفال، آية 36

وأعدت قريش حملة خرجت في منتصف شوال من السنة الثالثة للهجرة بحدها وحديدها وأحابيشها ومن تابعها من القبائل في عدد يربو على ثلاثة آلاف مقاتل من بينهم سبعمائة من الجنود المدرعة ومائتين من الفرسان

وخرجت بعض النسوة من قريش مع الجيش ليبعثن الحماس في الرجال، وعلى رأس هؤلاء النسوة هند بنت عتبة زوج أبي سفيان، وهي أشدهن على الثأر حرقة؛ فقد قتل يوم بدر أبوها وأخوها. وواصل الجيش الزحف إلى المدينة فنزل قريبًا من جبل أحد وأرسل خيله وإبله ترعى زروع المدينة
واجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمون يتشاورون، وكان من رأي الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقيم المسلمون بالمدينة ويدعون المشركين حيث نزلوا فإن قاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا المدينة قاتلوهم في طرقاتها وشوارعها، وكان مع الرسول على هذا الرأي شيوخ المهاجرين والأنصار ووافق على هذا الرأي أيضًا عبد الله بن أبي بن سلول، ولكن الشباب من المسلمين وخاصة ممن لم يشهد بدرًا قالوا:
يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرونا أنا جبنا عنهم وضعفنا، فلم يزالوا برسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل بيته فلبس لامته (الدرع وقيل السلاح) وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة
وشعر القوم أنهم استكرهوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأيهم فقالوا:استكرهناك يا رسول الله ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل
ورد رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من الغلمان لصغرهم منهم أسامة بن زيد وعبد الله ابن عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت .... وغيرهم

ورد سمرة بن جندب ورافع بن خديج، وهما ابنا خمس عشرة سنة، فشفع أبو رافع لابنه وقال:يا رسول الله إن ابني رافعًا رام، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض على رسول الله سمرة بن جندب وهو في سن رافع فرده الرسول لصغره، فقيل لرسول الله أن سمرة يصرع رافعًا فأجازه هو الآخر
وقيل أن رسول الله استصغر رافعًا فقام على خفين له فيهما رقاع وتطاول على أطراف أصابعه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجازه

وبهذه الروح الوثابة الحريصة على الجهاد وقتال أعداء الله خرج الجيش الإسلامي وكان عدده يبلغ ألف مقاتل. فلما كانوا بالشوط (بين المدينة وأحد) انخذل عبد الله بن أبي بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني
وفيه ومن انسحب معه نزلت الآية:

{وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ}سورة آل عمران، آية 167

في ميدان أحد


ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وصل سفح جبل أحد (وهو جبل على نحو ثلاثة كيلو مترات من المدينة)، وجعل ظهره وعسكره إلى جبل أحد ووجههم إلى المدينة
أما المشركون فقد نزلوا ببطن الوادي قرب سفح الجبل وعلى ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل

وأصدر الرسول صلى الله عليه وسلم أمرًا عامًا يمنع فيه المسلمين من محاولة الاشتباك مع المشركين قبل صدور أمره إليهم بذلك، ورتب الرسول صلى الله عليه وسلم رماة النبل خلف الجيش على ظهر الخيل، وهم خمسون رجلاً يقودهم عبد الله بن جبير، ووجه الرسول صلى الله عليه وسلم إليه توجيهه قائلاً: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت الدائرة لنا أو علينا، فاثبت في مكانك لا تؤتين من قبلك، وأمرهم بأن يلزموا مركزهم ويثبتوا في مكانهم وأن لا يفارقوه ولو رأوا الطير تتخطف العسكر، و لبس رسول الله صلى الله عليه وسلم درعًا فوق درع ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير رضي الله عنه

المعركة


واشتبك الفريقان ودنا بعضهم من بعض وقامت هند بنت عتبة في النسوة وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال يحرضنهم،
وكان شعار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد " أمت . أمت "، واقتتل الناس حتى حميت الحرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال:

أن تضرب به العدو حتى ينحني، قال: أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه، وكان أبو دجانة رجلاً شجاعًا يختال عند الحرب، وكان إذا اعتصب بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل. فلما أخذ السيف من رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه وجعل يتبختر بين الصفين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر:

إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن

وأبلى المسلمون بلاء حسنًا؛ فقد قاتل حمزة بن عبد المطلب قتالاً شديدًا وقتل عددًا من الأبطال لا يقف أمامه شئ حتى قتل شهيدًا إذ ضربه وحشي، غلام جبير بن مطعم بحربة له
وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قتل، وكان الذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال:
قتلت محمدًا، فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء لعلي بن أبي طالب
وخرج حنظلة بن أبي عامر إلى القتال وهو جنب فضربه شداد بن الأسود فقتله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
إن صاحبكم، يعني حنظلة، لتغسله الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه، فسئلت صاحبته عنه فقالت خرج وهو جنب سمع الهاتفة
إن حادي التضحية كان أملك لنفس حنظلة وأملأ لحسه من داعي اللذة، فاستشهد البطل وهو حديث عهد بعرس ليعطي النموذج الأعلى للتضحية والإيثار والإخلاص لله ولرسوله

قال ابن إسحاق:
وأنزل الله تعالى نصره على المسلمين وصدقهم وعده حتى كشفوا المشركين عن العسكر وكانت الهزيمة لاشك فيها وولت النساء مشمرات هوارب

قال ابن الزبير:
والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير

الرماة يتسببون في هزيمة المسلمين

ولما رأى المسلمون تقهقر المشركين وفرارهم أقبلوا على المغانم يأخذونها، وغادر الرماة مواقعهم وتركوا مراكزهم التي شدد الرسول صلى الله عليه وسلم على أن يلزموها وألا يبرحوها أبدًا ولو رأوا الجيش تتخطفه الطير، وقالوا: يا قوم الغنيمة الغنيمة، فذكرهم أميرهم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم في لحظة يسيرة من لحظات الضعف الإنساني لم يسمعوا وظنوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة وأخلوا الثغر وخلوا ظهور المسلمين إلى الخيل

ولما رأى خالد بن الوليد قائد جناح المشركين يومئذ خلو المرتفع من الرماة انطلق ببعض فرقته فقتل من ثبت من الرماة وعلى رأسهم قائدهم عبد الله بن جبير، واستولى على المرتفع وفاجأ المسلمين من الخلف مفاجأة أذهلتهم، ورأى الفارون من قريش هذا التغير المفاجئ فتراجعوا
وفي لحظات مال ميزان الفوز في جانب المشركين؛ فقد انتفضت صفوف المسلمين واختلطوا من غير شعور وصار يضرب بعضهم بعضًا

ما أصاب الرسول صلى الله عليه وسلم يوم أحد


وكرّ المشركون كرة وانتهزوا الفرصة وانكشف المسلمون فأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء وتمحيص، واستطاع المشركون أن يخلصوا قريبًا من النبي صلى الله عليه وسلم وأصابته الحجارة حتى وقع لشقه و أصيبت رباعيته وشج في وجهه وجرحت شفته صلى الله عليه وسلم، وجعل الدم يسيل على وجهه فيمسحه ويقول: كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم

ووقع الرسول صلى الله عليه وسلم في حفرة من الحفر التي عملها المشركون ليقع فيها المسلمون فأخذ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بيده صلى الله عليه وسلم
وكان من المشركين رجل يقال له ابن قمئة قتل مصعب بن عمير صاحب اللواء وأشاع أن محمدًا قد قتل فزاد ذلك من صعوبة موقف المسلمين

ولما انهزم الناس لم ينهزم انس بن النضير عم أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ فقال أنس:

وأما لريح الجنة يا سعد إني أجدها دون أحد
وانتهى أنس بن النضير إلى رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم وانكسرت نفوسهم، فقال: ما يجلسكم؟
قالوا:
قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: فماذا تصنعون بالحياة من بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله، ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. يقول أنس بن مالك رضي الله عنه: لقد وجدنا به (أي أنس بن النضر) يومئذ سبعين ضربة فما عرفه إلا أخته، عرفته ببنانه
وأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة كعب بن مالك، فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاد إلى المسلمين صوابهم إذ وجدوا الرسول حيًا وهم يحسبونه مات فنهضوا به ونهض معهم نحو الشعب
وأدركه أبي بن خلف الجمحي وهو يقول: أي محمد لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله: دعوه فلما دنا تناول رسول الله الحربة من أحد أصحابه ثم استقبله وطعنه في عنقه طعنة تقلب بها عن فرسه مرارًا
وخرج علي بن أبي طالب فملأ درقته ماء وغسل من وجهه صلى الله عليه وسلم الدم، وكانت فاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم تغسله وعلي بسكب الماء بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم
ومص مالك بن سنان الدم عن وجهه صلى الله عليه وسلم وابتلعه، فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: من مس دمي دمه لم تصبه النار
ونزع أبو عبيدة بن الجراح إحدى الحلقتين من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسقطت سنته ونزع الأخرى فكان ساقطا السنتين

صورة رائعة من الحب والتضحية


وقد ضرب المسلمون في هذه المعركة أروع الأمثلة في التضحية والحب و الفداء؛ فهذا أبو دجانة تترس بنفسه دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل
ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يناوله النبل ويقول: أرم فداك أبي وأمي
وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فردها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما

وقاتل زياد بن السكن في خمسة من الأنصار دون رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتلون دونه رجلاً ثم رجلاً، فقاتل زياد حتى أثبتته الجراحة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه مني، فأدنوه فوسده قدمه فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم

وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما توجه إلى أحد أراد أن يخرج معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك وقد وضع الله عنك الجهاد، وأتى عمرو رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن بني هؤلاء يمنعونني أن أخرج معك ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد، وقال لبنيه: وما عليكم أن تدعوه لعل الله يرزقه الشهادة، فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل يوم أحد شهيدًا
وقال عبد الله بن جحش في ذلك اليوم: اللهم إني أقسم عليك أن ألقى العدو غدًا فيقتلوني ثم يبقروا بطني ويجدعوا أنفي وأذني ثم تطلبني فيم ذلك ؟ فأقول فيك

شماتة المشركين بالمسلمين

وكان لهذا التحول في سير المعركة أثره لدى المشركين، فقد فرحوا وعبروا عن شماتتهم وحقدهم تجاه المسلمين حتى القتلى منهم؛ فقد وقفت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من المسلمين، يقطعن الأذان والأنوف، وبقرت هند عن كبد حمزة رضي الله عنه فمضغتها فلم تستطيع أن تسينها فلفظتها

ولما أراد أبو سفيان الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته إن الحرب سجال يوم بيوم اعل هبل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قم يا عمر فأجبه، فقال: الله أعلى وأجل، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أجيبوه، قالوا:
ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم
ولما انصرف وانصرف المسلمون نادى: إن موعدكم بدر للعام القابل، فقال رسول الله لرجل من أصحابه: قل نعم هو بيننا وبينكم موعد

الرسول يتفقد شهداء المعركة

وفرغ الناس لقتلاهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع في الأحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار، هو محمد بن مسلمة: أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل سعد، فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق، قال فقلت له:

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟
قال:
أنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام، وقل له إن سعد بن الربيع يقول لك جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته وأبلغ قومك عني السلام، وقل لهم إن سعد بن الربيع يقول لكم أنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف، قال: ثم لم أبرح حتى مات، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبره

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحزن الرسول صلى الله عليه وسلم على عمه حمزة وقال:

لن أصاب بمثلك أبدًا، ما وقفت موقفًا قط أغيظ إلي من هذا، ثم قال:

جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة بن عبد المطلب مكتوب في أهل السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لابنها الزبير بن العوام: ألقها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أماه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، وأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن
وكان بعض المسلمين قد حملوا قتلاهم إلى المدينة ليدفنوهم بها، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال:
ادفنوهم حيث صرعوا
ومر الرسول صلى الله عليه وسلم على القتلى فقال: أنا شهيد على هؤلاء أنه ما من جريح يجرح في الله إلا وأنه يبعث يوم القيامة يدمي جرحه، اللون لون الدم والريح ريح المسك. وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد فكان يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحد قدمه في اللحد وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا
وقد بلغ عدد شهداء المسلمين يوم أحد سبعون، أكثرهم من الأنصار، وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلاً

نتائج غزوة أحد

وبقدر ما كان انتصار بدر ذا أهمية كانت هزيمة أحد درساً للمسلمين في لزوم طاعة الرسول وعدم التكالب علي عرض الدنيا، وأن تكون الأعمال كلها لله غير متطور فيها لعرض الدنيا ، والحذر من المفاجأة واليقظة في حالة الفوز والأخذ بنواميس الطبيعة حتى ولو كان الرسول بينهم
وكان يوم أحد يوم بلاء وتمحيص أختبر الله به المؤمنين وأمتحن المنافقين وكشف خبيئتهم مما جعل الرسول يحتاط منهم بعد ذلك

وكان يوماً أكرم الله فيه من أراد كرامته بالشهادة، كما هيأ الله فيه نفوس المسلمين لتتلقي نبأ وفاته بعد ذلك وفي هذا تعليم للمسلمين أن رباط المسلمين برسولهم إنما يكون عن طريق ما جاء به من تعاليم وما سنة من سنن وما حث عليه من توجيهات وإرشادات وإن هذه العلاقة هي الحبل الموصول الذي يربطهم بنبيهم حياً وميتاً

فواجب المسلم هو الثبات علي العقيدة ، والجهاد في سبيلها وفي الوفاء لها في حياة الرسول وبعد وفاته وهذا هو الحب الحقيقي والصلة الحقيقية بين المسلم ونبيه
قال تعالى:
{وَمَا مُحَمًّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ}-سورة آل عمران آية 144

ومن آثار غزوة أحد


أن اليهود استغلوا هذه الهزيمة في بث بذور الفتن في المدينة وتوسيع شقة الخلاف بين أصحابها
كما أنها جرأت عليهم بعض البدو المجاورين للمدينة وفتحت لهم أبواب الأمل في الإغارة علي المدينة وانتهاب أهلها فقد اعتقد هؤلاء الأعراب أن معركة أحد قد غيرت ميزان القوة لغير صالح المسلمين ولقد أدرك النبي صلى الله عليه و سلم حرج الموقف ودقته فأخذ أهبته وأستعد لكل طارئ



غزوة بدر الكبرى

بقلم المستشار : سالم العقيلي 
المركز العالمي لأبحاث و دراسات الأشراف

 
غزوة بـدر الكبرى

وفى رمضان سنة اثنين من الهجرة كانت غزوة بدر الكبرى, و كان من خبر هذه الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سمع بأبى سفيان بن حرب مقبلا من الشام في عير عظيمة لقريش فيما أموالهم وتجارتهم وفيها ثلاثون أو أربعون رجلا من قريش وكانت الحرب قائمة بين المسلمين وبين مشركي قريش كما نعرف فلو أن أهل مكة فقدوا هذه الثروة لكانت موجعة حقا وفيها عوض لما لحق بالمسلمين من خسائر في أثناء هجرتهم الأخيرة ، كما أنها فرصة للنيل من هيبة قريش وصلفها

لذلك لما سمع رسول الله صلي الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا وكان من أشد الناس عداوة للإسلام ، ندب رسول الله صلي الله عليه وسلم الناس للخروج إليها وأمر من كان ظهره حاضرا بالنهوض ، ولم يحتفل لها احتفالا بليغاً لان الأمر أمر عير ، وقال:هذه عير قريش فيها أموالهم فأخرجوا لعل الله ينفلكموها ( أي يجعلها غنيمة لكم ) فخرجوا لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه لا يرونها إلا غنيمة لهم ولا يظنون أن يكون كبير قتال إذا لقوهم وهذا ما عبر عنه القرآن في قوله تعالى:

{وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}
سورة الأنفال، من آية
7

ولم يدر بخلد واحد منهم انه مقبل علي يوم من اخطر أيام الإسلام ولو علموا لا تخذوا أهبتهم كاملة ولما سمح لمسلم أن يبقي في المدينة
وخروج رسول الله صلي الله عليه وسلم مسرعاً في ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا ولم يكن برفقتهم سوى فرسين وسبعين بعيراً يتعاقبون ركوبها كل أثنين كل ثلاثة

وكان حظ الرسول في هذا كحظ سائر من معه فكان هو وعلي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الفتوى يعتقبون بعيراً واحداً ، وقد روى أن أبا لبابه وعلي كانا زميلا رسول الله صلى الله عليه و سلم فكان إذا كانت عقبة النبي صلي الله عليه وسلم قالا إركب حتي نمشي عنك فيقول ما أنتما بأقوى مني وما أنا بأغنى من الأجر منكما
وكان الخروج من المدينة يوم الاثنين لثمان او لتسع أو لإثني عشر خلون من رمضان ودفع الرسول صلي الله عليه وسلم اللواء إلي مصعب بن عمير وراية المهاجرين إلي علي بن أبي طالب وراية الأنصار إلي سعد بن معاذ
وبلغ أبو سفيان خروج رسول الله صلي الله عليه وسلم وعلم بقصده فأرسل الي مكة ضمضم بن عمرو الغفاري مستصرخا لقريش ليمنعوه من المسلمين وبلغ الصريخ أهل مكة فجد جدهم نهضوا مسرعين فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلاً لأن معظمهم كان له فيها نصيب
وخرجوا من ديارهم كما وصفهم الله تعالي:

{بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ}سورة الأنفال، من آية 47


ولما سمع أبو سفيان بخروج المسلمين غير طريقة المعتاد ولحق بساحل البحر فنجا وسلمت العير وأرسل إلى قريش أن ارجعوا فإنكم إنما خرجتم لتحرزوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها الله فارجعوا ، وهموا بالرجوع فأبي أبو جهل إلا القتال وقال : والله لا نرجع حتي نرد بدراً فنقيم عليها ثلاثا تنحر الجزور ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها فامضوا

ورغم قول أبى جهل فقد رجع بنو زهرة ، وبنو عدي بن كعب، ولولا سلاطة لسان أبى جهل ورمية المترددين بالجبن والضعف لانسحب عدد كبير ووقف عتبة بن ربيعة حين وقف في معسكر المشركين يدعوهم إلى الرجوع

إلا أن صوت عتبة وغيره من عقلاء قريش ضاع بين صرخات الحرب وشهوة الانتقام من جانب أبى جهل ومن انضم إليه
ومضت قريش في مسيرها وكانت عدتهم ما بين التسعمائة والألف معهم مائة فرس وسبعمائة بعير ونزلوا بالعدوة القصوى من وادي بدر

الرسول يواجه الموقف الجديد

وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو بوادي زفران أن قريشًا خرجت في عدة الحرب لتمنع عيرها وأن القافلة قد نجت، وأن قريشًا تتحدى المسلمين، وهكذا تغير الموقف بالنسبة للمسلمين ولم تعد المعركة ضد قافلة تجارية قليلة العدد، وإنما أصبحت المهمة الجديدة أمام المسلمين هي مواجهة قوات قريش في معركة فاصلة يتفوق فيها العدو عددًا وعدة

ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه في موقف يحتاج فيه إلى استشارة أصحابه وخاصة الأنصار لأن ما بينه وبينهم من عهود إنما تتعلق فقط بالدفاع عن النبي داخل المدينة وحمايته بها ولم يحدث أن اشتركوا في أي من السرايا السابقة

أما وقد خرج من المدينة فقد تغير الموقف ومن ثم بدأ النبي يوجه حديثه إلى المسلمين طالبًا رأيهم ومشورتهم، وكان يعني بصفة خاصة الأنصار

فقام أبو بكر الصديق فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال:يا رسول الله، امض لما أمرك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى

{فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ}، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد (موضع في أقصى اليمن أو مدينة الحبشة) لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرًا ودعا له
ولفت نظر الرسول صلى الله عليه وسلم أن هؤلاء جميعًا من المهاجرين وهو إنما يريد استجلاء موقف الأنصار، فقال مرة أخرى: أشيروا علي أيها الناس

ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فنهض سعد بن معاذ صاحب رايتهم وقال: يا رسول الله لكأنك تريدنا؟

قال:
أجل، فقال سعد: قد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا علي السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق عند اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا علي بركة الله
وفي رواية أنه قال:
إني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر خضناه معك
فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: سيروا وأبشروا فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ( العير أو النفير ) والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم
وهكذا تقررت المعركة وأمر عليه الصلاة والسلام بالارتحال

فلما صاروا على مقربة من بدر بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بحنكة القائد الحصيف يجمع معلومات عن قوة العدو وعدده وقواده؛ فأرسل علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له، فقدموا بعبدين لقريش كانا يمدانهم بالماء فأتوا بهما فسألوهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم هذا الخبر ورجوا أن يكونا لأبي سفيان فربما كانت لا تزال في نفوس البعض بقايا أمل في الاستيلاء علي القافلة
فضربوهما ضربًا موجعًا حتى اضطر الغلامان أن يقولا نحن لأبي سفيان فتركوهما، وركع رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد سجدتين ثم سلم وقال:

إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله أنهما لقريش. ثم قال للغلامين أخبراني عن قريش، قالا: هم والله وراء هذا الكثيب الذي ترى، بالعدوة القصوى، فقال لهما رسول الله: كم القوم؟ قالا: كثير، قال: ما عدتهم؟ قالا: لا ندري، قال كم ينحرون كل يوم؟قالا:يومًا تسعًا ويومًا عشرًا
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: القوم فيما بين التسعمائة والألف، ثم قال لهما: فمن فيهم من أشراف قريش؟ قالا: عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو البختري بن هشام وحكيم بن نوفل.... الخ ما ذكراه من كبراء مكة، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال:هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها

ونزل المسلمون بجانب بدر فجاء الحباب بن المنذر وقال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بل هو الرأي والحرب والمكيدة، فقال:

يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل، وأشار عليه أن ينتقل المسلمون من مكانهم وينزلوا عند أقرب ماء إلى العدو ثم يبنون عليه حوضًا ويطمسون كل ما عداه من ينابيع فيشرب المسلمون دون المشركين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد أشرت بالرأي، ونهض ومن معه من الناس فأتى أدنى ماء من القوم فنزل عليه، وهكذا امتلك المسلمون مواقع الماء، وكان اختيار هذا الموقع الموفق بعض ما أعد الله من أسباب النصر؛ فإن مصير المعارك يخطه إخلاص القادة ورؤيتهم السليمة للأمور وتنظيمهم المحكم لكل ما يتعرضون له

ولما بنى المسلمون الحوض أشار سعد بن معاذ بمشورة أخرى فقال: يا نبي الله ألا نبني لك عريشًا (شبه الخيمة يستظل بها، وكان من جريد النخل)تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا وإن كانت الأخرى جلست علي ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًا منهم ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير وبنى العريش فوق تل مشرف على ميدان المعركة

وشاء الله عز وجل أن يقضي المسلمون ليلة المعركة ليلاً هادئًا أخذوا فيه قسطًا وافرًا من راحة الجسم والأعصاب، وأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا كان على المشركين وابلاً شديدًا، منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طلاً طهرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان ووطأ به الأرض وصلب به الرمل وثبت الأقدام وربط به على قلوبهم

قال تعالى:{إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ}سورة الأنفال، آية 11


كيف دارت معركة غزوة بدر

دارت معركة بدر في صبيحة يوم الجمعة 17 من رمضان من السنة الثانية للهجرة، وفي بدايتها عدل الرسول صلى الله عليه وسلم صفوف المسلمين ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان، هذا مصرع فلان إن شاء الله، فما تعدى أحد منهم موضع إشارته
ثم نظر إلى قريش فقال: اللهم هذه قريش جاءت بخيلائها وفخرها تحاربك وتكذب رسولك، اللهم نصرك الذي وعدتني، اللهم أحنهم (أهلكهم) الغداة

وبعد أن قوم الرسول صلى الله عليه وسلم الصفوف وتفقد الرجال وأسدى النصائح والتوجيهات وحث على الثبات والإقدام، رجع إلى العريش الذي بني له فدخله ومعه أبو بكر ليس معه فيه غيره، وظل يكثر من الابتهال والتضرع والدعاء قائلاً: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد بعدها في الأرض
وجعل يهتف بربه عز وجل: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم نصرك، ويرفع يديه إلى السماء حتى سقط الرداء عن منكبيه، وجعل أبو بكر رضي الله عنه يسليه ويشفق عليه من كثرة الابتهال

وتزاحف الجمعان، وبدأ الهجوم من قبل المشركين؛ فقد خرج الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وكان رجلاً شرسًا سيئ الخلق، فقال: أعاهد الله لأشربن من حوضهم أو لأهدمنه أو لأموتن دونه، فتصدى له حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة ضربة أطاحت بساقه فسقط إلى ظهره تشخب رجله دمًا، ثم أتبعها حمزة بضربة أخرى قضت عليه دون الحوض

وما أن سقط الأسود حتى خرج عتبة بن ربيعة، وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فلما توسطوا بين الصفين طلبوا المبارزة، فخرج إليهم ثلاثة فتية من الأنصار هم عوف ومعوذ ابنا الحارث ورجل آخر يقال هو عبد الله بن رواح، فقالوا:

من أنتم؟ قالوا رهط من الأنصار، قالوا: مالنا بكم حاجة، ثم نادى مناديهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا علي، فلما قاموا ودنوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فذكر كل منهم اسمه، قالوا: نعم، أكفاء كرام

وبارز عبيدة، وكان أسن القوم، عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة شيبة بن ربيعة، وبارز علي الوليد بن عتبة؛ فأما حمزة وعلي فلم يمهلا خصمهما أن قتلاهما، واختلف عبيدة وعتبة بينهما ضربتين كلاهما أثبت صاحبه (أي جرحه جراحة بالغة) وكر حمزة وعلي بأسيافهما على عتبة فأجهزا عليه واحتملا عبيدة وهو جريح ومات شهيدَا

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس وحرض المسلمين فقال:

والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير بن الحمام أخو بنو سلمة، وفي يده تمرات يأكلهن: بخ بخ (كلمة تقال في حالة الإعجاب) أفما بيني وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلني هؤلاء؟ ثم قذف التمرات من يده وأخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل

وتسابق الشباب في الشهادة، يقول عبد الرحمن بن عوف: إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن، فكأني لم آمن بمكانهما إذ قال لي أحدهما سرًا من صاحبه: يا عم أرني أبا جهل، فقلت: يا ابن أخي وما تصنع به؟ قال: عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه، فقال لي الآخر سرًا من صاحبه مثله. قال: فما سرني أني بين رجلين مكانهما، فأشرت لهما إليه فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه وهما ابنا عفراء، وتركاه بين الحياة والموت حتى مر به عبد الله بن مسعود فأجهز عليه

وحمي الوطيس واستدارت رحى الحرب واشتد القتال، حتى لقد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالاً شديدًا، قال الإمام أحمد في حديث عن علي قال: لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إلى العدو وكان من اشد الناس يومئذ بأسًا

ومع اشتداد القتال وعنفه اشتدت ضراعة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه وابتهاله إليه حتى سقط رداؤه عن منكبيه، فرده عليه الصديق و هو يقول له: بعض مناشدتك ربك فإنه منجز لك ما وعدك، وأغفى رسول الله صلى الله عليه وسلم إغفاءة قصيرة ثم تنبه فقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل أخذ برأس فرسه عليه أداة الحرب، وكانت الملائكة يومئذ تبادر المسلمين إلى قتل أعدائهم

قال ابن عباس:
بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس فوقه يقول: أقدم حيزوم، إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقيًا فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه كضربة السوط، فاحضر ذلك أجمع فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة

وقال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلاً من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري

وفي ذلك نزل قول الله تعالى في كتابة الكريم:{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ * ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ * ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ}سورة الأنفال ، الآيات 12-14

قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ حفنة من الحصباء فاستقبل قريشًا بها ثم قال: شاهت الوجوه، نفحهم بها وأمر أصحابه فقال: شدوا، فكانت الهزيمة. وانجلت المعركة عن هزيمة مروعة للمشركين؛ قتل منهم سبعون وأسر مثل ذلك وهرب الباقون، بينما لم يفقد المسلمون سوى أربعة عشر رجلاً، وغنم المسلمون غنائم كثيرة

ولما أسفرت الحرب عن انتصار المسلمين وهزيمة المشركين، أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على القتلى فقال: بئس العشيرة أنتم التي كنتم لنبيكم؛ كذبتموني وصدقني الناس وخذلتموني ونصرني الناس وأخرجتموني وآواني الناس، وقال حين رأى أبا جهل: هذا فرعون هذه الأمة وأمر بالقتلى أن يطرحوا بالقليب، فطرحوا فيه ووقف عليهم فقال: يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال المسلمون:

يا رسول الله أتنادي قومًا قد جيفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني
وتوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة مؤيدًا مظفرًا، وأرسل بشيرين إلى المدينة هما زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة يبشرانهم بالنصر، فوصلاها وقد نفض أهل المدينة أيديهم من تراب رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم وزوج عثمان بن عفان
وقسم الرسول صلى الله عليه وسلم النفل الذي أفاء الله على المسلمين من المشركين على السواء
ولقد وصلت أنباء هزيمة قريش ومصابها في زعمائها، فعم الحزن وساد الأسى ووقعت النياحة في بيوت المشركين، وكثر البكاء على القتلى، حتى لقد مرض أبو لهب ومات بعد أيام قليلة ونذر أبو سفيان ألا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو رسول الله صلى الله عليه وسلم

قضية أسرى غزوة بدر

عندما وصل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استشار أصحابه في شأن الأسرى، فأشار أبو بكر ومعه بعض الصحابة بالإبقاء عليهم وأخذ الفداء، وقال أبو بكر: يا رسول الله قومك وأهلك، استبقهم واستأنهم لعل الله أن يتوب عليهم

وأشار عمر ومعه البعض الآخر بقتلهم، وقال عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم
وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله انظر واديًا كثير الخطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه عليهم نارًا
ومال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر، فقبل منهم الفداء، وكان ينادي بهم على قدر أموالهم من أربعة آلاف درهم إلى ألف درهم

ومن لم يستطع افتداء نفسه وكان يحسن القراءة والكتابة كانت فديته أن يعلم عشرة من أبناء المسلمين. ومنّ الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض الأسرى، ولم يقتل من الأسرى إلا النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط

ولما تم الفداء نزل القرآن يعاتب المسلمين لا على ما فعلوه من إطلاق سراح الأسرى والمن عليهم بالفداء، ولكن على نفس الأسر أثناء القتال وميل بعض المسلمين إلى الإبقاء على المشركين دون قتلهم رغبة في الفدية..... قال تعالى:
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآّخِرَةَ}
سورة الأنفال ، آية 67

فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن اتخاذ الأسرى قبل الإثخان في قتل هؤلاء الكفار؛ لأن عداوتهم للإسلام متمكنة في نفوسهم وأنهم لو ظفروا بالمسلمين لقضوا عليهم، ومن هنا وجب الحرص على قتلهم وتطهير الأرض من رجسهم وصلفهم رعاية لمصلحة الإسلام وحرصًا على إزاحة هؤلاء البغاة من طريقه دون إرادة عرض الدنيا وهو الفدية

اهمية غزوة بدر


ولا شك أن هذه الغزوة كان لها أثر عظيم في حياة المسلمين؛ فقد رفعت من روحهم المعنوية وزادتهم إيمانًا بأنهم على الحق، ووطدت هيبتهم وسلطانهم بين سائر العرب، وكانت درسًا عمليًا تجلت فيه ثمرة الإيمان؛ فنصر الله المسلمين وهم قلة بإيمانهم وخذل المشركين وهم كثرة لأنهم ضعاف باتباعهم لأهوائهم وشيطانهم. وقد خلد الله ذكرها في القرآن فسماها بيوم الفرقان، وامتن على المسلمين بها فقال تعالى:{وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ}سورة آل عمران، آية 123

بين غزوة بدر وغزوة أحد

ترك انتصار المسلمين في بدر أثارَا كبيرة في اليهود والمنافقين بالمدينة، وفي قريش بمكة، وفي القبائل الضاربة حول المدينة والبعيدة عنها، ولم تزدهم هزيمة قريش إلا كرهًا للإسلام ونقمة على محمد وصحبه واضطهادًا لمن يدخل في الإسلام

وقد قام الجميع بمحاولات للكيد للإسلام والمسلمين والنيل منهم، ولكنهم لم يفلحوا ورد الله كيدهم في نحورهم فلم ينالوا شيئًا، ولا بد لنا من الإشارة إلى أهم هذه الأحداث ليتبين لنا كيف أن حياة المسلمين كانت سلسلة متواصلة من المعاناة والآلام والجهاد، وأن المسلمين تحملوا في سبيل الدعوة ما لم تتحمله جماعة من قبل. وأهم هذه الأحداث


هل الدّين والشّعر يتفقان كمصدرين من مصادر الأخلاق...؟

بقلم الاستاذ الدكتور ؛ مصطفى قطبي

للعرب في جاهليتهم خلق مستملح مقبول، وآخر مستقبح مرذول، ثم جاء القرآن الكريم فنهى عن الثاني، وصادق على الأول صراحة أو ضمناً، والأمثلة في هذا المضمار يكاد تكرارها يكون من نافلة القول.
لذلك رأينا أن نتناول الموضوع من زاوية جديدة هي زاوية الشعر، ولا نقصد من هذه الدراسة المقابلة بين القرآن الكريم وبين الشعر كمصدرين من مصادر الأخلاق، وحصر أوجه الاتفاق الاختلاف بينهما، ونبادر فننفي عن أنفسنا هذه الشبهة، ونربأ بالقرآن أن يستوي في كفة ميزان مع مصدر آخر مهما كان. ومن هنا فنحن نهدف بهذه الدراسة إلى إلقاء الضوء على كل مصدر منها، ثم إلى بيان مدى اتفاق المصدرين آخر الأمر، كما نعرض لأمثلة من إقرار الرسول صلى الله عليه وسلّم وعمر رضي الله عنه للجانب المقبول من خلق ما قبل الإسلام، الذي سجله وامتدحه هذه الحقبة من الزمان، وفي خاتمة البحث نتطرق إلى بيان وظيفة الشعر والشاعر كمصدر أخلاقي بعد الإسلام.

الشعر قبل الإسلام كمصدر خلقي:

كان الشعر العربي قبل الإسلام مستودع المناقب والمفاخر والأنساب، والدستور الخلقي الذي يعرف منه الخلق الحميد والخلق الذميم. هو الذي استحسن النجدة والشهامة والمروءة والفروسية وإكرام الضيف، وذم الجبن والبخل والشح والخذلان وكل فعل يجري على خلاف ما تعارف عليه العرب قبل الإسلام من خلق حميد. فكم من بيت شعري رفع منزلة قبيلة كما فعل الحطيئة بقبيلة أنف الناقة إذ قال فيهم :
قوم هم الأنف والأذناب غيرهم ومن ذا يساوي بأنف الناقة الذنبا

وكم من بيت خفض منزلة قبيلة أخرى إلى الحضيض، ومن منا ينسى هجاء الحطيئة للزبرقان بن بدر... فإلى الشاعر العربي كان يرجع العربي ليتعرف القيم الأخلاقية المفضلة، ويستقصى المناقب التي تستحب من الإنسان في حياته الخاصة أو حياته الاجتماعية. يرجع العربي إلى الشاعر ولا يرجع إلى الفيلسوف أو إلى الزعيم أو الباحث في مذاهب الأخلاق، ويعلم كل قارئ عربي ـ كما نرى مع العقاد ـ أنّ الشاعر الحكيم أبا تمام إنّما قرر حقيقة علمية حين قال :

ولولا خلال سنها الشعر ما دري بناة العلا من أين تؤتى المكارم

ففي الشعر العربي تنويه بكل صفة من صفات المروءة والفتوة، وإزراء بكل عيب من العيوب التي تشين صاحبها بين قومه، وبيان واف للأخلاق التي تحكم الحياة فعلاً أو ينبغي أن تحكمها وتتراءى فيها مرجحة مشرفة بين سائر الأخلاق.

ومن عجب أنّ العربي لا يرجع إلى الشاعر ليسأله عن المذاهب الفلسفية ذات الشروح والحواشي وذات العلل والنتائج، لأنّه يجد عنده شيئاً أقرب إلى حسه وفهمه وعمله، يجد ''شخصيات حية'' تتمثل في كل منها صورة من صور الحياة كما هي، وكما يتمناها، وإنّه ليشعر بالمجاوبة بينه وبين هذه الشخصيات في جوانب كثيرة من ذات نفسه وذات ضميره.

يشعر بها حين يغتبط بحظه من الأخلاق ويعتقد أنّه على شيء من تلك الصفات التي يحمدها الشعراء، ويشعر بها حين يتعزى عن فقدان الأخلاق الفاضلة في المجتمع، فيردد أبياتاً من الشعر يستشهد بها لغيره، ويجد في الشعر العربي شخصيات حيّة تناسب كل حالة وكل سن وكل مزاج: يجد شخصية الشاب المغامر، وشخصية الكهل الناضج، وشخصية الحكيم. وكلهم نموذج من نماذج الشخصية الإنسانية على سليقتها، وصورة مستوفاة لحياة واقعية.

ففي شعر الجاهلية مثلاً، نموذج لشخصية الشاب طرفة بن العبد، وشخصية الكهل حاتم بن عبد الله، وشخصية الشيخ زهير بن أبي سلمى، وكل منهم موصوف في شهره على حقيقته، بالإضافة إلى أنّه واصف صادق للقيم الأخلاقية كما تواضع عليها المجتمع في عصره، وكما أنّه يتمنى أن تسود في الناس كافة.

شخصية طرفة بن العبد:

لم يعمر طرفة طويلاً، فلم يشرف على الثلاثين إذا أخذنا بقول أخته في رثائه، ولد في بيت عريق لكنه فقد أباه فنشأ يتيماً، ولم ينل من أعمامه حقه وابتلي بالظلم، فاستقل برأيه وذهب يغامر في الحياة ولا يبالي الموت إذ عاش عيشة النعيم ومات ميتة الكريم.
فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي
وهو في رأي العقاد نموذج للشاب النبيل الذي يرضي نفسه ولا يرضى عنها إذا تخلفت عن أنداده ونظرائه في مقام الشجاعة والندى.

شخصية حاتم بن عبد الله:


هو مثل من أمثال الرجولة الناضجة وقدوة للسيد المسؤول عن قومه، وإلى هذا اليوم يعرفون من هو حاتم هذا، والذين لا يعرفون منه إلاّ إسماً أصبح في عداد الصفات الدالة على النبل والكرم.
واتفق الرواة على أنّه :
( رجل يصدق قوله فعله، إذا قاتل غلب، وإذا سئل وهب، وإذا سابق سبق، وإذا أسر أطلق ).
وقد شهدت ابنته البعثة الإسلامية وجيء بها مع أسرى قبيلتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: ''يا رسول الله أهلك الوالد وغاب الوافد، فامنن علي من الله عليك، قالت:

فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملني، وأعطاني نفقة''.

وجملة ما يقال عن هذا النموذج أنّه كان سيداً ينهض بأعباء قومه ويخجل من العيش الرغد إذا كان في قومه من يشقى بالفقر والأسر، ويكرم نفسه مع الحلم في ساعة الغضب، قائلاً وعاملاً بما يقول:

فنفسك أكرمها فإنّــك إن تهن عليك فلن تلقى لك الدهر مكـرماً
تحلم على الأدنين واستبق ودهم. ولن تستطيع الحـلم حتى تحلـما
وأغفـر عوراء الكريـم ادخاره. واصفح عن شـتم اللئيم تكـرما
لحى الله صعلوكاً منـاه وهمـه​ من العيش. أن يلقى لبوساً ومطعما
ومن أجمل أقواله التي سبق بها القائلين، أنّ المال عبد وليس بسيد:
إذا كان بعض المال رباً لأهله. فإنّي بحمـد الله مالي معـبد
ولا أشتري مالاً بغدر علمته. ألا كل مال خالط الغدر أنـكد

فشريعة الرجولة في هذا النموذج الأخلاقي الحي، أنّها حلم مع قوة، وعفة مع شجاعة، وكرم مع وداعة وطيبة، وأنّها حقيقة عملية وليست أمنية من أماني المثل الأعلى.

شخصية زهير بن سلمى:

يعرض لنا زهير قيم الحياة الفضلى كما يتمثلها قبل الإسلام شيخ واسع التجربة، خبير بحوادث الأيام في زمانه وقبل زمانه، فيقول:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعـش ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم
واعلم علم اليوم والأمس قـبله ولكنني عن علم في غد عم
وما الحرب إلا ما علمتم وذقـتم وما هو منها بالحديث المرجم

وقد جمع زهير في قصيدته ''الميمية'' هذه الصفات المثلى كلها في أبيات شهيرة، يشيد فيها بحسن السياسة، وبالفضل والوفاء، وبالقيام بمطالب العشيرة، كما يشيد فيها بالإقدام والذي لا يهاب صاحبه أسباب المنايا، وبالصراحة التي تنبو عن النفاق ويأمر بالمعونة، ولكنه ينهى عنها في غير موضعها ولغير أهلها :

ومـن لا يصانع فــي أمور كثيـرة يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
ومن يجعل المعروف من دون عرضه يفره ومن لا يتق الشتم يشتم
ومن يك ذا فضل فيبخل بفضلــــه على قومه يستغن عنه ويذمم
ومن يجعل المعروف في غير أهلــه يكن حمده ذماً عليـه وينـدم
ومن يغترب يحسب عدواً صديقــه ومن لا يـكرم نفسه لا يكـرم
وإن سفـاه الشيخ لا حلـم بعــده وإن الفتى بعد السفاهة يحـلم
لسان الفتـــى نصف ونصف فؤاده. فلم يبق إلا صورة اللحم والـدم

ولا يخفى أنّ هذه القصيدة أو في قصائد الشعر الجاهلي في وصف قيم الحياة والأخلاق الفضلى، كما يتمثلها شاعر جاوز الثمانين وقضى العمر في عراك العيش بين الحرب والسلم، وبين الشدة والرخاء، قام بتكاليف الحياة حتى سئمها، لكنه أراد أن يمحصها خالصة لمن لا يسأمها ولا يزال يعانيها، ولا يغيب عنك أيها القارئ الكريم أنّ زهير اهتدى إلى معاني قصيدته وتمثلها وأداها بحس العربي المرهف، وفطرته السوية وشاعريته المطبوعة، وليس أغنى من الشعر الجاهلي بهذه المذاهب الأخلاقية معروضة في شخصيات حية تستمد قيمتها من وحي المجتمع العربي وفي نطاقه، ويتسع فيها المجال لتطور كل شخصية على حسب اختلاف السن والمزاج وتجارب الأيام.

روي عن أبي عمرو بن أبي العلاء، أنّه قال: كان للشعراء عند العرب في الجاهلية منزلة كمنزلة الأنبياء في الأمم، حتى خالفهم أهل الحضر فاكتسبوا بالشعر، فنزلوا عن رتبتهم... ثم جاء الإسلام ونزل القرآن بتهجيته وتكذيبه، فنزل رتبة أخرى.

الشعر كمصدر خلقي بعد الإسلام:

جاء الإسلام وكان من الطبيعي أن يعمل على تغيير هذه المكانة المقدسة التي نالها الشاعر في الجاهلية، وهذا أمر طبيعي لمجيء الإسلام كدين جديد جاء للمجتمع بكل جديد، إذ أخذ الإسلام ينفي النظرة إلى الشاعر الجاهلي، وما يستتبعها من قداسة واحترام... وكان من الطبيعي أيضاً أن يطرح الإسلام مفهوماً جديداً للشعر يقترب من المفاهيم التي طرحها الإسلام عن الحياة، والدخول في الإسلام يعني التسليم بمجموعة متكاملة من القيم والمبادئ، فإذا نظم الشاعر شعره وتذوقه في إطار التسليم بهذه المبادئ فإنّه لابد أن يتجه إلى ناحيتين أساسيتين:

الأولى:

إيجابية وتتصل ببناء وجدان الإنسان المسلم، وضرورة دعم القيم التي أقرها الفكر أو التكوين الإسلامي.

الثانية:

وتتصل بالجانب الدفاعي عن هذه القيم والمبادئ، وهنا يتعين على الشاعر أن يتجه إلى العمل ضد القيم المضادة للقيم الإسلامية، وكذلك الدخول في صراع مع الجاهلية واتجاهاتها ومبادئها فهو بهذا يثبت القيم الإسلامية من ناحية... وينفي المبادئ والقيم الجاهلية من ناحية أخرى، فإذا تحدد للشاعر الإسلامي المعالم التي يسير عليها في اتجاه المفهوم الإسلامي، لابد أن تتغير النظرة إلى الشعر الجاهلي، وبالتالي تتغير وظيفته، ومن هنا تختفي فكرة الوحي والشياطين، ويصبح الشعر الجديد بمفهومه الإسلامي الجديد كائناً في جماعة لها دستور هو الإسلام...

والشاعر يتلقى من هذا الدستور قيمه الأساسية، بمعنى أنّه لم يصبح طوع الجاهلية، أو أسيراً لعقيدتها يشكل تصوراته على ضوء مبادئها ويدافع عنها، بل أصبح ملتزماً بدعوة، يعمل لها، ويدور حول إطارها الأساسي، وبالتالي تتحدد للشاعر ماهية الشعر في أنّه نشاط من الأنشطة الإنسانية، له القدرة على التأثير في الجماعة الإسلامية، وذلك حين يعرض الحقائق والقيم التي أقرها الإسلام عرضاً من شأنه أن يقوي أثر هذه القيم في الناس، بوسائل أقرها الإسلام نفسه.

موقف القرآن من الشعراء:

يشير القرآن إلى الشعراء داخل سياق الآية في قوله تعالى:

(هل أنبئكم على من تنزل الشياطين، تنزل على كل أفاك أثيم، يلقون السمع وأكثرهم كاذبون، والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنّهم في كل واد يهيمون، وأنّهم يقولون ما لا يفعلون، إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيراً، وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون).
ففي هذه الإشارات القرآنية يمكن أن نلمح عدّة أشياء:

أولها:

أنّ الشاعر بمجيء الإسلام قد انحدرت مرتبته التي حظي بها أيام الجاهلية ولم يعد هو ذلك الذي يستحق الاحترام الكامل والتقديس التام.

ثانيها:

أنّ الشعر في هذه الآيات مرتبط بصفات الغواية والكذب والخيال، وهي صفات ينفيها الدين الجديد، ويبتعد بها عن المسلم الذي ارتبط إيمانه بالله.

ومن هنا نفى القرآن الكريم عن الرسول قول الشعر وهاجم بشدة أولئك الذين زعموا أنّ القرآن ضرب من ضروب الشعر. يقول الله تعالى:

(وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلاّ ذكر وقرآن مبين).

فالقرآن الكريم يشير هنا إلى لفظة ''شعر'' الأدبية، وهذه الإشارة إلى لفظة شعر تفرق في حسم بين الشعر والقرآن الكريم والقرآن ينفي أيضاً في الآيات صفة ''شاعر'' عن النبي، يقول الله تعالى:

(بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر).

ويقول عز وجل:

(إنهم إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون، بل جاء بالحق وصدق المرسلين).

فالآيات التي مرت بنا تنفي عن القرآن صفة ''شعر'' وتنفي أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم صفة ''شاعر'' المفهومة من الدلالة اللغوية لهذه اللفظة، وبخاصة عندما تقترب صفة ''شاعر'' من الكذب والكهانة والجنون.

ثالثها:

أنّ القرآن حين هاجم الشعراء، وربطهم بصفات الكهانة والغواية والكذب، لم يهاجمهم مطلقاً، بل استثنى الشعراء الذين يلتزمون بقواعد الإيمان، ويقومون بعمل صائب يخدمون به قيم الدين، ويدافعون عن مبادئه.

أمّا الرسول صلى الله عليه وسلم فقد حدّد مفهوم الشعر بأنّه: سلاح يمكن أن يستخدم في محاربة المشركين، روي أنّه قال لحسان بن ثابت: ''اهج قريشاً فو الله لهجاؤك عليهم أشد من وقع السهام من غلس الظلام'' وقال له أيضاً: ''لشعرك أجزل عند قريش من سبعين مقاتلاً، ولشعر كعب بن مالك أشد على قريش من رشق السهام''.

كما قال عن حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة:

''هؤلاء النفر أشد على قريش من نضح النبل''. وإذا كان الإسلام قد حارب الشعر ومنع الناس من نظمه حقاً فلابد من أن يتوقف الشعر في عصر النبوة توقفاً تاماً، بل قد يمنع الرسول صلى الله عليه وسلم من نظمه وقد يعاقب من ينشد الشعر، لكننا نرى عكس ذلك تماماً، فقد شجعه صلى الله عليه وسلم وحث على نظمه. ففي عمرة القضاء قال عبد الله بن رواحة وهو بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليلـه
يا رب إنّي مؤمن بقيــله أعرف حق الله في رسوله.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا ابن رواحة؟
أفي حرم الله؟

وبين يدي رسول الله تقول هذا الشعر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:


'' خل عنه يا عمر فو الذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل ''. كما أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد حثّ على نظم الشعر فقد روى هشام بن عمرو عن أبيه قال: سمعت أبي يقول: ما سمعت بأجرأ ولا أسرع شعراً من عبد الله بن رواحة، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول له يوماً.
قل شعراً تقتضيه الساعة وأنا أنظر إليك، فانبعث من مكانه يقول:

إنـي تفرست فيك الخير أعرفـه والله يعلم أن ما خانني البصــــر
أنـت النبي ومن يحرم شفاعته يوم الحساب لقد أزرى به القـــدر
فثـبت الله ما آتاك مـن حسن تثبيت موسى ونصـراً كالذي نصروا

فقال رسول الله:

''وأنت فثبتك الله يا ابن رواحة''.

قال هشام بن عروة فثبته الله أحسن الثبات، فقتل شهيداً وفتحت له الجنة فدخلها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم جعل حساناً شاعره الخاص، ووظف لسانه لهجاء المشركين وقال له:
أهجمهم وروح القدس معك، للرد على شعراء قريش وقد سله منهم كما تسل الشعرة من العجين ''حسب قوله'' وما قصيدته في الرد على أبي سفيان بن الحارث بخافية عنا حيث يقول:

هجوت محمداً فأجبت عنه ​ وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفـداء
وها هو حسان بلسانه الحائك الصنع، يرد على قصيدة الزبرقان ابن بدر، بنوع من الارتجال والسرعة وعلى طريقة النقائض: قال الزبرقان قصيدته مفاخراً:

نحن الكرام فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
فرد عليه حسان بناء على طلب رسول الله بقصيدة طويلة منها:
إنّ الذوائب من فهر وإخوتهــم قد بيّنــوا سنة للناس تتـبع
يرضى بها كل من كانت سريرته​ تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
وقد ذكر ابن سيد الناس في كتاب:

''منح المدح'' قول رسول صلى الله عليه وسلم لكعب بن مالك:

أترى الله ينسى قولك:

زعمت سخينة أن ستغلب ربها فليغلبن مغالب الغـلاب
والمتصفح لكتاب ''منح المدح'' يرى عجباً، فكبار الصحابة كانوا شعراء أمثال أبي بكر في قصيدته عن الهجرة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وأولها:

قال النبي ولم يجزع يوقرني ونحن في سدفة من ظلمة الغار
لا تجزعن فإنّ الله ثالثنــا وقد توكل لي منه بإظهـــار

وأمثال عمر بن الخطاب الذي قال عنه إسلامه:

الحمد لله ذي المن الذي وجبت لــه علينا أياد كلها عبــر
وقد ظلمت ابنة الخطاب ثم هدى ربي، عشية قالوا قد صبا عمر
ومثلهما حمزة، والعباس، وعبد الله بن جحش، وعلي بن أبي طالب... ممن وصل شعرهم إلينا، وأعتقد أنّ الذين لم يصل إلينا شعرهم كثر. ولقد أعجب الرسول صلى الله عليه وسلم بشعراء الإسلام، ونلاحظ أنّ الرسول يحتكم في الإعجاب إلى معيار أخلاقي وهذا المعيار الخلقي يرتبط بالضرورة بقضية الصدق على أساسه الأخلاقي النابع من الدين، ويمكن أن نلمح هذا الصدق بمعياره الأخلاقي في قول لبيد حيث قال:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
''أصدق كلمة قالها شاعر:
قول لبيد''، واستحسن النبي قول طرفة بن العبد حين قال:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقال: ''هذا من كلام النبوة''. وبنفس هذا المقياس الإسلامي نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قول النابغة الجعدي حين أتى إليه ينشده:
أتيت رسول الله إذ جاء بالهدى ويتلو كتابـاً كالمجرة نيراً
بلغنا السماء مجدنـا وجدودنا وإنا لنرجو فوق ذلك مظهراً
وقد استمر هذا سائداً في عصر أبي بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، فعمر يعجبه الشعر الذي يشمل الحكمة والموعظة، والدعوة إلى الخير، وعدم الإسراف في المديح والهجاء، وإعجاب عمر نابع من روح إسلامية، يقول زهير بن أبي سلمى: ''كان لا يعاظل في كلامه، وكان يتجنب وحشي الشعر، ولا يمدح أحداً إلا بما فيه...''

وظهر هذا المقياس الإسلامي في تقدير عمر رضي الله عنه لزهير أيضاً حين قال هذه الأبيات بعد الحرب التي دارت رحاها بين عبس وذبيان، وقد طالت الحروب بين القبيلتين، وتدخل من عمل على حقن الدماء بينهما، فنظم زهير هذه الأبيات التي مطلعها:
أمن أم أوفــى دمنة لا تكلــم بحومانة الدراج فالمتثــــلم
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى عن الناس تعلم
قال عمر:

''أحسن زهير وصدق''. وكعب بن زهير كان ينهى أخاه عن الإسلام، وبلغ ذلك رسول الله، وكان الرسول قد أمر بقتل الشعراء الذين كانوا يهجونه ويؤذونه بمكة، لهذا طلب أخو كعب منه أن يذهب إلى رسول الله يطلب منه العفو، فلما ضاقت الأرض بكعب تنكر وذهب إلى رسول الله، وأنشد بين يديه هذه الأبيات التي أولها:

بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يغد مكبول.
ثم قال:
أنبئت أنّ رسول الله أوعدنــي والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الذي أعطاك نافــلة القرآن فيه مواعيظ وتفصيـل
لا تأخذني بأقوال الوشــاة فلم أذنب وقد كثرت في الأقاويـل
فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قوله، بل تجاوز عنه ووهب له بردته، فاشتراها منه معاوية بثلاثين ألف درهم. ويقول الرسول عليه الصلاة والسلام:

''إنّ من البيان لسحراً، وإنّ من الشعر لحكمة ''. ويقول أيضاً:

''إنّما الشعر كلام مؤلف، فيما وافق الحق منه فهو حسن، وما لم يوافق الحق فلا خير فيه''.

الشعر المرفوض من الإسلام:


إذا كان الإسلام قد حدّد للشعر مقاييس أخلاقية يقوم على أساسها، فمن هنا وبهذا المقياس الإسلامي رفض عمر بن الخطاب شعر أبي محجن الثقفي ونفاه، لأنّ شعره لم يتفق مع مطلوب الإسلام ومراد الخير، فيقول في شعره:


إذا مت فادفني إلى أصل كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تدفني بالفلاة فإنّنـــي أخاف إذا ما مـت إلا أذوقــها
وحبس عمر بن الخطاب الحطيئة عندما هجا الزبرقان بن بدر لأنّه لم يكرمه، وقال في أبيات له في هجاء الزبرقان ومدح بغيض بن عامر:

ما كان ذنب بغيض أن أرى رجلاً ذا حاجة عاش في مستوعر شاس
جار القوم أطالوا هون منزلــــه وغادروه مقيــماً بين أرماس
ملوا قراه وهرتـــه كلابهـــم وجرحــوه بأنياب وأضراس
دع المكارم لا ترحــل لبغيــتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
واستدعى عمر الحطيئة وقال له معنفاً:

''يا خبيث لأشغلنك عن أعراض المسلمين''، وعاب النقاد في صدر الإسلام قول زهير حين قال في شعر له:
''ومن لا يظلم يُظلم'' لأنّه يدعو إلى أن يظلم الناس بعضهم بعضاً، إذا أراد أحدهم ألا يظلم.
والأحوص بن محمد الأنصاري، ضرب بالسياط، وصب الزيت على رأسه، ونودي به في الطرقات لأنّه تغزل بالنساء، وهذا لأنّ الشعر أصبح أمام مفهوم جديد محدد لعلمه، يطالب الشاعر بالالتزام به ما دام قد التزم بالإسلام وبقواعده وبالإيمان به، ويعاقب الشاعر إذا خرج عن هذا المفهوم الإسلامي، لأنّه يعتبر خارجاً على القيم الأساسية للإسلام، ومتمرداً على مبادئه وقواعده.

ولم يستمر هذا المفهوم في عصر الرسول وعصر خلفائه فحسب، بل استمر بعد ذلك عند علماء اللغة الذين اتجهوا إلى جمع الشعر لخدمة القرآن.

وقد يجد النقاد أحياناً تناقضاً بين القيم الأخلاقية والقيم الفنية، ولكن هذا التناقض يتلاشى حين نعرف أنّ الشعر الذي يبدو فيه التناقض مع القيم الأخلاقية هو الشعر مرتبط بالشر...

ومن هنا فقد ظلت معالجة النقاد للشعر صادرة من اعتدادهم بمجموعة من القيم الأخلاقية التي لم يتخلوا عنها، كذلك ميز اللغويون بين اللفظ والمعنى على أساس الأخلاق، وكان هذا التمييز متفقاً مع الفهم الإسلامي، وبالتالي واجه الشعراء حساباً عسيراً عند عدوانهم على الحرمات بالهجاء، كما حدث في قصة الحطيئة مع الزبرقان الذي حبسه عمر بن الخطاب... وفي قصة الشعراء الذين تحدثوا عن الخمر، ومنهم أبو محجن الثقفي الذي جلده عمر ونفاه.

الشعر في خدمة الإسلام:

لقد غيّر القرآن مفهومات العرب الفنية، واتجه بأذواقهم وجهة جديدة تتفق مع ما أحدثه من تغيير، فحوّل الأدب من قصائد للغزل والحماسة والأخذ بالثأر والفخر ووصف الإبل والسيوف والرماح... إلى قصائد تخدم الإسلام وتسير مع مفاهيمه ومبادئه ومعتقداته القيمة...

ومن الحكم المتناثرة التي لا ارتباط لها ولا نظام، إلى أدب عالمي يخوض مشكلات الحياة الاجتماعية، وينظم الأمور الدينية والدنيوية، فارتقى بالأدب فاتسعت آفاقه، وتعددت مراميه، وسمت أهدافه.
وعلى ذلك يمكن القول: أنّ الشعر في الإسلام جاء ليواكب الدعوة الإسلامية ويشيد بالقيم التي يدعو إليها، ويقف في وجه الذين يعارضونه أو يقفون في سبيله ويصدون الناس عنه. وتحفظ لنا دواوين الشعر ما أنشده كعب بن مالك بعد عودة النبي صلى الله عليه وسلم من حنين، وفي مسيره إلى الطائف حيث قال:

قضينا من تهامة كل ريب وخيبر ثم أجمعنا السيوفـا
نخيرها ولو نطقـت لقالت قواطعهن دوسا أوثقيفـا
ونردى اللات والعزى وودا​ ونسلبها القلائد والشنوفا
وتحفظ لنا هذه الدواوين أيضاً قول عبد الله بن رواحة، وقد أخذ بزمام ناقة النبي عليه السلام في عمرة القضاء يقودها، وقد اجتمع أهل مكة وغلمانهم ينظرون إليه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير مع رسوله
نحن ضربناكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام من مقيله ويذهل الخليل عن خليله
وعمر بن الخطاب كان يعجب بقول زهير بن أبي سلمى :

فإنّ الحق مقطعة ثلاث يمين أو نفار أو جلاء
فقول زهير يتفق مع ما دعا إليه الإسلام في ثبات الحق، فهو يثبت إمّا بالقسم، أو بالمنافرة إلى حاكم يحكم بالعدل، أو بالجلاء ببرهان واضح يجلو الحق، ويوضح الدعوى... وقد سأل عمر يوماً الحطيئة: كيف كنتم في حربكم؟ فقال

(كنا ألف حازم نطيع قيس بن زهير ولا نعصيه، ونقدم إقدام عنترة، ونأتم بشعر عروة بن الورد)
.
ولا حاجة بعد هذا المثل للسؤال عن مصدر القيم الأخلاقية بين الشخصية المستقلة وبين العرف الذي يتواضع عليه المجتمع، فإنّ الأمر ينتهي بالثائر والمسالم معاً إلى توكيد القيم الفضلى، والزراية بمن يخرج عليها.

ولقد مضى على هذه النماذج المتمثلة في الشخصيات التي عرضناها قرون خلت، ولم يزل لها صوت مسموع في استحسان الحسن، وإنكار المنكر من الأخلاق. ولم تتغير بعد الإسلام وظيفة الشاعر، التي يرجع إليها في تسجيل القيم والأخلاق، وإن كان قد تغير الشاعر كما تغير سامعوه وقراؤه، وأصبح من اليسير على بعض الشعراء أن يعرضوا للناس صفات... الشخصية الحية ـ كأنّها مذهب من مذاهب التفكير ـ ويبقى هناك الضابط المهم الذي يوجد بين هذه الأنماط والصفات، ويتحول بها إلى اتجاه واحد كما تتحول الجداول إلى مجرى النهر، ذلك هو ضابط الدين بعد ظهور الإسلام.


ففي مجتمع الجاهلية كان نطاق المجتمع يحيط بالأنماط الشخصية فتتفق ـ مع تعددها ـ في النهاية على الإيمان بآداب ذلك المجتمع الجاهلي، وبعد ظهور الإسلام أحاطت آداب الدين بآداب المجتمع، وجاءت بمادة التماسك التي تشمل الأنماط الكثيرة وتردها إلى بنية واحدة.

وقد تتساءل معي يا قارئي الكريم:

هل يكون معنى ذلك أنّ الدّين والشعر قد يتفقان كمصدرين من مصادر الأخلاق؟
يجيب العقاد على هذا التساؤل بقوله: نعم يتفقان، وفي الصدر سعة، وعلى الثغر ابتسامة، لأنّ القرآن الكريم يصف الشعراء بأنّهم: ''في كل واد يهيمون. وأنّهم يقولون ما لا يفعلون''.

فللشاعر أن يقول ما يشاء، وللقارئ أن يستريح إلى سماعه إذا شاء، لأنّه لا ينظر إليه نظرة المعارض المصادم للدين، وإنّما ينظر إليه كأنّه يتفرج على منظر حسن من مناظر الفنون.


دُوُر العبادة أَمْ دَوْر الفرد ؟!

بقلم البروفسير الاستاذ الدكتور :رشدي دميان 



 
 أولاً أرجو أن يسمح لي القُرَّاء الأعزَّاء بتوضيح الفرق فى المعنى بين كلمتي (دُوُر و دَوْر) واللتان تَتَكَوَنَا من نفس الحروف ، ولكن بعلامات تشكيل مختلفة على كلاً منهما :

١. (الدُوُر) بضم حرفي الدال والواو هي جمع (ديار) التي تعني البيوت أو المساكن أو المنازل أو المدارس والجامعات (دار العلوم كمثال) وكذلك تعني بيوت المسنين والعجزة (دار الأرامل والأيتام كمثال ثاني) وأيضاً المستشفيات (دار الشفاء كمثال آخر) وأماكن الصلاة والعبادة (المعابد ، الكنائس والمساجد والجوامع والزوايا) .

٢. (الدَوْر) بفتح حرف الدال وتسكين حرف الواو ، ويعني الواجب أو المَهَمَّة أو الوظيفة التي على الفرد تأديتها ، ويعني أيضاً دَوْر (مَهَمَّة) الأب والأم والمدرسة والمسجد والكنيسة وغيرهم على سبيل المثال فى تقويم وتربية وتنشئة وتعليم الأولاد الصغار بصفة خاصة ، والأفراد بصفة عامة .
 
 
 ظهرت في الآونة الأخيرة إشكاليات كثيرة بلا حصْر أو عدد حول قانون أو قوانين تنظيم إنشاء وبناء دور العبادة ، ويقيني أنها -أي القوانين- لم ولن تنتهي طالما أن الجدل يظل قائماً وبلا نهاية عن المسموح وغير المسموح قانوناً ، والجائز قولاً شفاهياً أو شرعاً مبنياً على نُصُوصٍ مكتوبة ، والإستثنائي من هذه القوانين على سبيل التعاطف والمروءة الإنسانية .

هنا أريد التأكيد على أني لست بصدد مناقشة هذه القوانين ، ولا متى صدرت ولا الدوافع التي كانت وراء صدورها ، ولا حتى لماذا بقيت سارية ونافذة المفعول بعد أن مضى عليها المئات من السنين منذ أن أصدرها حكام وولاة عُرِف َ عنهم أنهم لم يحكموا بالعدل مثل البعض من أسلافهم ولم يسيروا على نهجهم في التعامل مع أصحاب الديانات والعقائد الأخرى ؟!

كما وقد أصبحت هذه القوانين لا تناسب ولا تتناسب مع العصر الحالي ولا مع التطورات العالمية ، الدولية منها والمحلية ، وبالأكثر فإنها لا تتوافق بأي حالٍ من الأحوال مع أبسط مبادئ الحقوق التي يكفلها المجتمع الواعي والمُتَحَضِّر للإنسان .

كما أرجو أن لا تُؤْخَذ وجهة نظري هذه على محمل التحيُز لِفَرِيقٍ بعينه دون آخر ، لأن ما يعنيني هنا هو مناقشة بناء وتنمية الحِسِّ والمشاعر والأحاسيس النفسية والمعنوية والأخلاقية للفرد ، هذه التي تُهَيِئَهُ لأن يتفَّهَّم ماهيَّة دُوُر العبادة ، وكما يُدْرِكُ أنها حق له ، كذلك عليه أن يدرك أيضاً أنها حق لغيره من الناس ، حتى وإن إختلفت فى المضمون ، وأنه لا فرق فى بنائها إذا كانت تحمل مئذنة لمسجد عليها علامة الهلال ، أو فوقها منارة كنيسة عليها إشارة الصليب ، أو حتى معبد يهودي عليه علامة نجمة دَاوُدَ .
 
الجدل الدائر و (المناقشات السوفسطائية)* حول قوانين بناء دور العبادة هذه التي مكوناتها لا تعدو أن تكون عبارة عن مواد خرسانية جامدة بلا حركة أو مشاعر وأحاسيس حتى وإن كانت لها مدلولات إيمانية وعقائدية في الطقوس التي تُؤَدَى داخلها ، هو جدل عقيم لا ولن يُجْدِي ولن يُفِيد ؟!

 إذن أيهما أهَّم وأنفع وأجْدَى ، مناقشة إصدار تراخيص (دُوُر عبادة) من مبانٍ أسمنتية وخرسانية صلبة وجامدة حتى لو كانت ذات نمنمات وزخرفات وأثاثات غالية الثمن وباهرة وأيَّاً كان حجمها وفخامتها ؟!

أم العمل على بناء (دَوْر الفرد) وتجهيزه علمياً ونفسياً وأخلاقياً للتعايش مع بني جلدته من البشر ؟!

 (دُوُر العبادة) إذا كانت لا تعمل على تفعيل وتحفيز (دَوْر الفرد) في المجتمع الذي يعيش فيه ، هى أشبه بالفنار الذى لا يعطي ضوءاً للهداية والإرشاد ، أو بسفينة بلا قائد أو قبطان ولا دفة قيادة ؟!
 
* (المناقشات السوفوسطائية)
هى مشتقة عن مذهب فلسفي ظهر فى القرن الخامس قبل الميلاد ويعني ترك لُبّْ الموضوع المُراد البحث فيه وذلك بالتركيز فقط على البلاغة والخطابة التي تقلب الحقائق وتخلط الأمور عن طريق المناقشات والجدل وتمويه الحقائق المقبولة والمنطقية إلى ما لا نهاية دون أيَّ فتورٍ أو ملل .


الإتيكيت الإسلامي : فن الإتيكيت وأخلاق الرسول صلوات الله عليه ، الحلقة الثالثة

بقلم الاستاذ الدكتور : محمد فتحي المعداوي

 

 يعرف فن الإتيكيت ، بأنه فن الأخلاق الكريمة والذي يعكس القيم الدينية والاجتماعية وتقاليد المجتمع. ونستعرض في هذه الحلقة، شيئا من أخلاق الرسول صلوات الله عليه .
 
كيف كانت أخلاق الرسول "ص" ؟

ما هي أخلاق وصفات الرسول الكريم؟

كيف كان يتعامل الرسول مع أصحابه وتعامل الرسول مع أهل بيته ؟

سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام: لقد َسما الرسول الأعظم محمد صل الله عليه وسلم بأخلاقه الرفيعة والتي أصبحت نبراساً للعالم أجمع ، فهو أكمل البشر وأعظمهم ُخلُقاً، لقد أكرمه الله بأن يكون خاتم النبيين والمرسلين، وصاحب القرآن المبين، فأرسل الله ع ّز وجل معه منهجاً ربانيّاً كاملاً يُلبّي حاجات الروح، والعقل، والجسد، وكان ال ّرسول الأعظم هو أول من طبّقها ودعا إليها وبهذا كان ُمنقذ البشرية، فدعا قومه وكافة العالم بالتخلي عن عباداتهم الوثنية واعتناق دين رب البشريّة، والالتزام بروح السلام والأخوة بين بني البشر جميعا!
 قال تعالى ؛ لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله و الْيَوْمَ الآخر و ذكروا الله كثيرا 
سورة الأحزاب،21

كان عليه السلام، أفضل أسوة في تطبيق دين رب البريّة، فكان أعظم مثلاً في تطبيق كتاب الله الذي بُعث به، وأثبت قابليته لإصلاح وتنظيم حياة العالم أجمعين، فهو أ ّول من طبّق قواعد القرآن، واستخرج منها قواعد مثالية راقية وترجمها قولاً وفعلاً مع واقعه، حتى باتت كنوزاً تصلح العالم كله على مر التاريخ الإنساني؛

إن تم تطبيق هذه القواعد، بالإضافة إلى تطبيق نهج السنة والتي طبقها رسول الله عليه السلام.


١- أخلاق الرسول عليه السلام:


صدقه وأمانته كانت عظمة أخلاق الرسول عليه السلام ملهمة لمن حوله، فهي مصدر غني للقواعد المثالية التي ينادي بها علماء النفس الحديث اليوم بالإيتكيت، كان يُلقب بين قومه بالصادق الأمين قبل نزول البعثة عليه؛ ِلما تمتع به من صدق وأمانة منذ نعومة أظفاره، وكانوا يُح ّكموه في نزاعاتهم ويستودعوه أماناتهم ويحفظها لهم، ولم يغدر بهم يوماً. حين جاء يوم الهجرة طلب الرسول عليه السلام من علي بن أي طالب أن يردّ الأمانات إلى أهلها، كان أ ّول ما دعا له الرسول الكريم في أول بعثته هي الالتزام بالأمانة: أمانة القول، وأمانة العمل، وأمانة العبادة، وأمانة حفظ الجوارح من المعاصي، وأمانة الودائع، فلم يُحفظ أنّه غدر أو أخل الأمانة بأحد، كما اشتهر عليه السلام بالصدق، فكان ال ّرسول عليه السلام أسوةً وقدوة فهي من أعظم الصفات التي لازمت الرسول الكريم

حتى أشدّ أعدائه الكفار من بني قريش شهدوا له بالصدق و ُحسن الأمانة، ويكفي أ ّن الله عز وجل وصفه بالقرآن الكريم كذلك 

 



٢-  أخلاق الرسول عليه الصلاة والسلام مع أهل بيته قال عليه الصلاة والسلام: 

خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي( رواه الترمذي- إذا تأملنا هذا الحديث نستطيع أن نشعر بالطريقة التي تعامل بها الرسول الأمين مع أهل بيته، فكان كريم الخلق، ُعرف بحسن المعاشرة لهم، وهو رؤو ٌف بهم يساعدهم في أمور حياتهم، ودود، ولطيف، ورحي ٌم بهم، وكان يمازح زوجاته ويلاطفهن، مثلاً كان يرقق عائشة بقوله يا حميراء؛ لأن وجهها كان أحمر اللون أو يناديها بعائش، وينادي لها بنات الأنصار لتلعب معه ّن. وكان عليه الصلاة والسلام يحترم باقي زوجاته ويعدل بينه ّن ويتحمل غيرة بعضهن البعض، ويقدرهن ويبرهن في حياتهن وحتى بعد وفاتهن، فاستمر يواصل صديقات السيدة خديجة حتى بعد مماتها براً بها. كان عليه السلام يحترم بناته ُجل الاحترام كان يقف لهن احتراماً عند مجيئهن، وكان يداعب أطفاله وأحفاده الحسن والحسين، فكانوا يركبون على ظهره وهو يصلي فلا يزعجهم ويبقى ساجداً حتى يفرغوا من اللّعب. كان يقضي حاجته بنفسه فيخيط ثوبه ويُصلح نعله.



٣-   أخلاق الرسول عليه السلام مع الأطفال والخدم :


كان الرسول عليه السلام عندما يمر بالأطفال يلقي السلام عليهم ويلاعبهم، وإذا سمع بكاء طفل أثناء الصلاة أسرع بإنهاء
الصلاة حتى لا يشق على أمه، وكان عليه السلام يحمل حفيده وهو يصلّي بالناس إذا قام حمله، وإذا سجد وضعه، و يُروى أن الرسول الكريم كان يخطب الناس على المنبر فقدما حفيداه الحسن والحسين يمشيان ويعثران فنزل الرسول عليه السلام من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه. لم يتح ّمل أن يُنهي الخطبة حتى ينزل ويحملهما، ثم قال صدق الله بقوله ؛

وا ْعلَموا أَنما أَموالُ ُكم وأَولادُ ُكم ِفتْنَةٌ وأَن الله عنده أجر عظيم
سورة الأنفال ،28

كما كان يلاعبها حين كان يصلي ، فكانا يركبان على منكبيه وقت الصلاة و يبقى ساجدا حتى لا يزعجها .

٤- أخلاقه مع الخدم

كانت تُجسد كل معاني الرقة واللّطف والتواضع، فلم يضرب خادم قط ، ولم يصرخ بخادم قط، فعن أنس رضي الله عنه قال: )خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال أف قط، ولا قال لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا( >رواه الشيخان، وأبو داود، والترمذي )

٥- أخلاق الرسول عليه السلام في الحرب


تجسدت رحمة، وعدل، و ُحسن خلق الرسول عليه الصلاة والسلام في الحروب مع أعدائه من اليهود والكفار، الذين أذاقوه أشد أنواع العذاب والظلم، بينما كان يلاقيهم بدماثة أخلاقه، مما دعا بعضهم إلى اعتناق الإسلام. لو تأملنا حال الرسول عليه السلام وقت الحروب حين كان يوصي أصحابه بأن لا يقطعوا شجرة ولا يقتلوا طفلاً ولا امرأة ولا شيخاً ولا عابداً، ولا حيواناً، وأن يغزوا الحروب فقط في سبيل الله وليس لأجل مغانم أخرى، ولا يُغالوا ويُنكلّوا في القتل، ولا يغدروا أحد، فقد كان حريصاً على زرع الوفاء في نفوس الصحابة حتى وقت الحروب وكان يتخلى عن الذين غدروا بالحرب حتى لو كان مسلماً، كما كان عليه الصلاة والسلام حريصاً على أن لا يهدر الدماء بل يحاول حقنها ما استطاع، ولم يجبر أحداً خلال الحروب على اعتناق الإسلام، كما كان يتسم بالعفو والصفح بعد الحروب.

٦-  زهد الرسول عليه السلام كان الرسول عليه السلام



أزهد الناس خلقاً بالدنيا، فكان قنوعاً زاهداً، رغم أن الله خيّره من الدنيا ما شاء، إلاّ أنّه اختار عيش الآخرة. كان عليه الصلاة والسلام يأكل ما يسد رمق جوعه من التمر، والشعير، والماء و كان صلى الله عليه و سلم يربط على بطنه من الجوع، ويصحو صائماً، وكانت تُؤتى إليه الأموال فلم يدخر منها شيئاً بل ومات درعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعاً من الشعير، وكان يلبس البردة الغليظ ، و كان ينام على الحصير 



٧-  الرسول عليه السلام مع أصحابه

كان لأصحاب رسول الله أوفر الحظ والنصيب من حسن خلق حبيبهم وحبيب الله، كان لهم أوفى الصديق، وكان يرحم ضعيفهم، ويزور مريضهم، ويتفقّد غائبهم، ويُشهد جنائزهم، ويَقضي حوائجهم، ويلبي دعوتهم، ويعدّل بينهم، ويشعر بآلامهم من قبلهم، ويؤثرهم على نفسه، كان عليه السلام حريصاً على تعليمهم، ويُغدق بالعطاء عليهم إذا ُوجد معه، كان يمازحهم ويلاطفهم، ويغضب إذا أساء أصحابه بعضهم لبعض، فيصلح فيما بينهم، ويُحزن لحزنهم و يفرح لفرحهم 


٨- بعض مواقف الرسول عليه السلام في الأخلاق الرحمة وتقبيل الأطفال:

قَبل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي، وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا. فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:
من لا يَرحم لا يُرحم 
رواه البخاري في صحيحه 
و قال ابن داواد في صحيح البخاري 
: عن جابر بن عبد الله قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى ًًًََّ رجلا شعثا قد تفرق شعره، َفقال: )أ َما َكان يَجدُ َهذا َما يُسكن ِبه َشعرهُ". ورأى رجلا آخر


٩-  أخلاق الرسول السماحة والعفو:
 روى البخاري و مسلم عن جابر ، أنه غزا مع النبي صلى الله عليه و سلم قبل نجد ، فلما قفل رسول الله قفل معهم، فأدركتهم القائلة -أي نوم القيلولة ظهرا- في واد كثير العضاه )شجر( فنزل رسول الله وتفرق الناس يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله تحت سمرة )نوع من الشجر( فعلق بها سيفه، ونمنا نومة؛ فإذا رسول الله يدعونا، وإذا عنده أعرابي فقال:

»إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم، فاستيقظت« وهو في يده صلتًا )أي جاهزا للضرب

( فقال: »من يمنعك مني؟
« قلت: "الله، ثلاثًا" ولم يعاقبه وجلس )

رواه البخاري ومسلم وأحمد(. وفي رواية أخرى )عند الإمام أحمد(: فسقط من يده فأخذ رسول الله السيف، فقال للأعرابي »من يمنعك مني؟
« فقال: كن خير آخذ، فقال صلى الله عليه وسلم:


تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟«، قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى الرجل أصحابه فقال لهم: جئتكم من عند خير الناس! فهذا الرسول صلى الله عليه وسلم عفا عن الرجل في موقف حرج يدل على شجاعته... لذا كان أفضل العفو عند المقدرة



١٠-  الصدق في الحديث

الصدق في الكلام، والصدق في النيات، والصدق في الأعمال كلها، فهو الذي اتصف بذلك الخلق العظيم، وشهد بذلك أعداؤه قبل أصحابه، وقد كان يسمى الصادق الأمين، وهو القائل:

عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا« )رواه مسلم والترمذي وأبو داود(.

وجعل الكذب علامة من علامات النفاق حيث قال:
آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان« )رواه البخاري ومسلم

وهكذا عاش رسول الله صادقًا في كلامه، وصادقًا في عمله، وصادقًا في نيته، وصادقًا في مبادئه... لم يصل إلى ما وصل إليه بالكذب والحيلة والمكر، بل إن كل حياته وضوح وصدق، حتى مع أعدائه الذين آذوه وأرادوا قتله وأسره... هكذا فليكن المسلم -يا عباد الله- مقتديًا بنبيه في خلق الصدق، وأن يتقي الله في كلامه وحياته كلها...

إن الصدق نجاة والكذب هلاك...

إن الله عز وجل امتدح الصادقين فقال:

يَا أَيها الذين آمنُوا اتقُوا الل َّـهَ َو ُكونُوا َمع الصادقين. التوبة:119)



١١- تجنب الفحش في الحديث



ثبت أن الرسول كان جالسا فجاء يهود فقالوا:

السام عليكم ، أي الموت عليكم ، فقالت عائشة: وعليكم السام واللعنة!

فقال رسول الله: »يا عائشة ! إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش ولكن قولي: وعليكم« ) رواه البخاري ومسلم واللفظ له

وقد قال رسول الله:

سباب المسلم فسوق وقتاله كفر« رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وعن أنس قال:
"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاحشا ولا لعانًا ولا سبابًا،

١٢-  احترام الكبير ورحمة الصغير:

دخل أعرابي والرسول صلى الله عليه وسلم يقبل الحسن والحسين فقال:

تقبلون صبيانكم!
فقال رسول الله: ً

»أو أملك أن كان الله قد نزع الرحمة من قلبك« رواه البخاري ومسلم وأحمد عن عائشة رضي الله عنها

وقال:
»من لا يرحم لا يرحم« )

رواه البخاري ومسلم وأحمد والترمذي وأبو داود عن أبي هريرة وجرير بن عبد الله رضي الله عنهما
وقال رسول الله: »إنما يرحم الله من عباده الرحماء، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء« )رواه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص.

والحديث صحيح كما ذكر الألباني في صحيح أبي داود


 ١٣-  ضبط الصوت والحديث

" يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون" يعتبر الحديث وإجادته إحدى ضرورات المجتمع المتحضر، ويتطلب فن الحديث متابعة المستمعين، والرغبة في سماع الحديث من خلال كل كلمة يقولها المتحدث. وإذا كان الاتيكيت هو فن السلوك المهذب، والتصرفات الراقية، فهو لا يكون بهذه الصفة إلا إذا نابعاً من أعماق النفس البشرية دون تكلف أو تصنع. ويعتبر الحديث موهبة من الله سبحانه وتعالى، وهو من المواهب التي يستطيع الإنسان تنميتها، وهو ضرورة للمشتغلين في مجالات متنوعة وعلى اتصال بالجمهور أهمها العلاقات العامة والمراسم. وهكذا ، كانت أخلاق الرسول في جميع شؤونه، وهي كثيرة جدًا على التي ذكر الله عنه:
 و إنك لعلى خلق عظيم  ، سورة القلم ،الآية ٤ 
وما ذكرناه إنما هو قليل من كثير... وواجبنا تجاه ذلك:

الاقتداء به والتأسي به في الأخلاق والأعمال اتبا ًعا لقوله تعالى:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله و الْيَوْمَ الآخر و ذكر الله كثيرا
 
]الأحزاب:21[.

اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت... اللهم حسن أخلاقنا وأعمالنا يا رب العالمين... اللهم أدبنا جميعًا بآداب نبيك، وأعنا على ذلك... يا رب العالمين ...

وأخيرا، يامن ترغبوا في تعلم فن الإتيكيت، هاهو محمد صل الله عليه وسلم المعلم الأول للإنسانية، ليس بشهادة التابعين فقط، إنما أيضا بشهادة التاريخ الإنساني كله يقول أحد المتخصصين بفن الإتيكيت:

اطلعت على المدرسة السويسرية للإتيكيت وتعرفت على المدرسة الفرنسية للإتيكيت ولكني انبهرت وتأثرت بمدرسة محمد عليه الصلاة والسلام في الإتيكيت:

"حسن التعامل مع الآخرين" للأسف يبهرنا مشهد ممثل أجنبي يطعم زوجته في الأفلام الأجنبية ولا ننبهر بالحديث الشريف:)

إن أفضل الصدقة لقمة يضعها الرجل في فم زوجته( يعتقدون أن تبادل الورود بين الأحبة عادة غربية ونسوا الحديث الشريف:)من عرض عليه ريحان فلا يرده فانه خفيف المحمل طيب الريح

( ينبهرون عندما يشاهدون الرجل الغربي يفتح باب السيارة لزوجته، ولم يعلموا أنه في غزوة خيبر جلس رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، على الأرض وهو مجهد وجعل زوجته صفيه تقف على فخذه الشريف ، لتركب ناقتها، هذا سلوكه في المعركة فكيف كان في المنزل؟!!!

كان وفاة رسولنا الكريم في حجر أم المؤمنين عائشة وكان بإمكانه أن يتوفى وهو ساجد لكنه اختار أن يكون آخر أنفاسه بحضن زوجته.. عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما يريد أن يشرب يأخذ نفس الكأس الذي شربت فيه ويشرب من نفس المكان الذي شربت منه.. *ولكن ماذا يفعل أولئك الذي انبهرنا بهم في مثل هذه الحالة...

‐قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

إنك لن تنفق نفقة إلا أجرت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى فم امرأتك

( إنها المحبة والرومانسية الحقيقة من الهدي النبوي.. *لكن عند أهل الايتيكيت الغربي ومن انبهروا بهم المرأة تحاسب في المطعم عن نفسها وزوجها يحاسب عن نفسه..

وإلى لقـاء قريب في الحلقة الرابعة لفن الإتيكيت الإسلامي


من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.