عبد الرحيم ريحان Written by  عبد الرحيم ريحان أيار 05, 2019 - 202 Views

المتوحدين الأوائل فى مصر

كتب د. عبد الرحيم ريحان
 
ذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن الأصول القديمة لنظام الرهبنة ترجع جذورها إلى عصر مصر القديمةعلى اعتبار أنها عادة مصرية قديمة منهجها الانسحاب من المجتمع فى مكان منعزل لتحقيق رغبة دينية ، وتطورت فكرة الانفراد بعد ذلك فى العصر اليونانى إذ أخذت طابعاً مغايراً زادت فيه حدتها فى محاولة للمزج بين التقوى والدين من ناحية وبين الفلسفة اليونانية من ناحية أخرى التى ملأت نفوس الشعب المصرى حيث كانت تتم فى خلوات داخل معابد السيرابيوم، والبعض يرى استحالة التشابه بين نظام الديرية الذى قدم للمسيحية تطورها وتقدمها وبين النظام المعروف فى عبادة سيرابيس والتى ظهر فيها اعتكاف واعتصام داخل معابد سيرابيس حيث ظلوا داخل هذه المعابد فى خدمة هذا الإله معتصمين داخل المعبد.

وقد ساعدت الطبيعة الجغرافية لمصر على نمو الحركة الرهبانية بها من صحراء واسعة شرقاً وغرباً ونهر النيل وقيامه بدور فى حركة الاتصال بين المناطق الرهبانية على جانبيه فاختار الرهبان السهول المنبسطة لأن معظمهم كبار السن لا يستطيعون تسلق الجبال كما انتشر الرهبان فى الأماكن القريبة من مصادر المياه والصالحة للزراعة كما لجأ الرهبان للصحراء رغبة فى الهدوء والعزلة التى توفرت خصوصاً فى جنوب سيناء الذى يقول عنها جمال حمدان (كتلة جنوب سيناء الوعرة تعد هنا نهايات الأرض ليس فقط أفقيًا بل ورأسيًا أيضا لذا فهى فى الواقع جيب معزول على جانب سيناء لا يقل عزلة عن أعمق أعماق الصحراء الشرقية إن لم يزد وكان طوال التاريخ معقل عزلة والتجاء ابتداء من تاريخ اليهودية حتى المسيحية من موسى عليه السلام حتى سانت كاترين

كما ساعد على انتشار الرهبنة فى سيناء التبرك بالأماكن المقدسة حيث جبل الشريعة والأماكن التى مر بها نبى الله موسى عليه السلام والأماكن التى مرت بها العائلة المقدسة ، كما ساعد توفر مواد البناء من أحجار مختلفة وطمى ناتج عمليات السيول فى سيناء على انتشار المنشآت الرهبانية وتعددها لأنه يوفر على الرهبان مشقة إحضار هذه المواد من أماكن بعيدة .

وكان الطريق آمنا أمام الراغبين فى حياة الرهبنة كما أن مناطق التجمعات لم تكن بمعزل عن بعضها وكان هناك صلة وثيقة بين أفرادها لكثرة الوديان التى تؤدى لسهولة الاتصال بين المجتمعات الرهبانية ، ولقيت حركة الرهبنة انتشارًا واسعًا حتى قدر بعض علماء العالم القديم عدد النساك بحوالى 10% من مجموع سكان مصر من الذكور أى 20% من المجموع الكلى للسكان

وتشير رسائل ديونسيوس بطريرك الإسكندرية الموجودة فى كتاب The history of the church الذى كتبه Eusebius إفسبيوس أنه فى حكم دكيوس 250م حرص اللاجئين للصحراء أن يكونوا قريبين من منازلهم لكى يتمكنوا من العودة إليها بسرعة عند زوال الخطر فالبعض لجأ للصحراء الغربية والبعض لسيناء واتخذ البعض مكانه فى الصحراء كمقر دائم له، والغالبية فضلوا العودة لمنازلهم بعد إقامتهم وقت كبير فى الصحراء

ويعتقد كثير من الباحثين أن حياة الرهبنة الأولى فى مصر بدأت مباشرة بعد وفاة القديس مرقص، فلقد نشأ نوع من الزهد والتقشف فى المنازل ولكن أعباء الحياة ومتطلباتها دفعهم للخروج للجبال والصحراء ليعيشوا فى أماكن معزولة يمارسون فيها نوعاً من حياة الزهد على نطاق واسع

مراحل الرهبنة

مرت الرهبنة فى مصر بثلاث مراحل، الأولى هى الرهبانية التوحدية أو الراهب المتوحد أى ذلك المسيحى الذى اتخذ سبيله إلى البرية وأوى إلى كهف أو مكان يحتمى به ونذر نفسه لدنيا الله مثل القديس بولس الذى تحدث عنه القديس جيروم أبو الكنيسة اللاتينية فى القرن الرابع الميلادى وقال أن بولس أو بولا هو أول الرهبان المسيحيين فى العالم وقد سلك بولس طريقه لجبال العربة عند البحر الأحمر ليقيم هناك راهبًا متوحدًا طيلة أربعة وتسعين عامًا

وإذا كان بولس الراهب المصرى هو أول من وضع نسق الحياة الرهبانية فإن أنطونى هو المؤسس الحقيقى والرائد لنظم الرهبانية والأب الشرعى لهاولقد سار أنطونى أو أنطونيوس على درب بولا حيث خرج من بلدته ( قمن العروس ) من أعمال بنى سويف ، واتجه إلى ( بسبير ) شرق النيل حيث أمضى عشرين عاماً يمارس حياة الاعتزال بين عامى 285 – 305 م ووفد إليه عدد من الناس
ويتحدث المقريزى عن أنطونيو قائلًا :

(وكان أنطونى أول من احدث الرهبانية للنصارى عوضاً عن الشهادة) ، ووضع أثناسيوس الأسقف السكندرى كتاب عن حياة أنطونى وقال انه أقام حياته فى البداية على أساس التوحد ، ذلك إنه اعتزل دنيا الناس متوحدًا .

المرحلة الثانية وهى التوحد الجماعى أنه لما تكاثر أتباع الراهب أنطونى ومريديه من حوله أنزل كل واحد منهم فى صومعة لايشاركه فيها أخر وأصبح هؤلاء المتوحدون ساكنوا القلايا هم أول تجربة للحياة الرهبانية شبه الجماعية فى مصر وهى المرحلة الوسط بين التوحد الكامل والحياة الديرانية ، وتعتبر هذه هى المرحلة الثانية فى الرهبانية وبدأت حين تجمع المسيحيون حول أنطونيوس ونزلوا فى مناطق أخرى مثل نيتريا (النطرون) وطيبة وإخميم

وأقام كل واحد منهم متوحدًا بنفسه فى كهف أو صومعة أقامها بصورة بدائية (قلاّية) وهذا ليس كما فعل بولس وأنطونيوس ولكن هو نموذج جديد من التوحد الجماعى بمعنى أن يعيش كل راهب فى قلاّية منفرداً وإن كان يجمعه بغيره المكان أو البقعة ، وقد عاش الرهبان هذه الحياة الرهبانية من التوحد الجماعى وخضعوا لإشراف مشترك من راعيهم أنطونيوس وكان طبيعياً أن يمهد ذلك لقيام الشكل الجديد وهى الحياة الديرية.

والمرحلة الثالثة هى الحياة الديرية وتعتبر تطور مصرى خالص ذلك أن أحد الجنود المصرين العاملين فى الجيش الرومانى يدعى باخوميوس ترك الجندية عام 314م وآثر حياة الاعتزال متوحدًا فى بادئ الأمر لكن هذه الحياة لم ترق له فقرر أن يقيم مجتمع يضم رفاق الدرب سوياً ويجمعهم فى مكان واحد وتقوم بينهم حياة نسكية جماعية فأقام بالقرب من دندرة عام 321م دير يضم المسيحيين الذين آثروا هذه الحياة ويعد هذا ميلاد لأول دير عرفه النظام الرهبانى فى المسيحية واستخدم باخوميوس خبرته العسكرية فى وضع تنظيم دقيق للعمل داخل الدير وتوزيع المهام بين الرهبان ، وكثر أتباع باخوميوس وانتشرت الأديرة التى تسير وفق هذا النظام حتى قيل أن عددها وصل عند وفاته عام 346 م عشر أديرة

وربما تكون فكرة إنشاء الأديرة المحصّنة إقتداء بالدير الأول الذى أنشأه باخوميوس وهو دير محصّن لطبيعته العسكرية وليس للخوف من هجوم أعداء على الدير وهكذا اتخذت الرهبانية المصرية شكلها الأول الذى عرفت به وانتقلت إلى فلسطين وسوريا حيث نمت هناك نموًا مطردًا فى القرنين التاليين، ولعب الرهبان الفلسطينيون والسوريون دورًا بارزًا فى الأحداث التى شهدتها هذه المنطقة عقيديًا واجتماعيًا وسياسيًا واقتصاديًا نتيجة الخلافات المذهبية من القرن الرابع حتى السادس الميلادى وتسرب تلقائيا نمط هذه الحياة عبر سوريا إلى آسيا الصغرى بطبيعة وحدة العالم الرومانى آنذاك وانتقال التجار بين بلدان ذلك العالم بصورة منتظمة منذ القرن الرابع الميلادى

مواقع الرهبنة بسيناء

اتخذت المنشئات الرهبانية بسيناء ثلاثة أشكال على ثلاثة مراحل

المرحلة الأولى

وهى مرحلة الفرد المنقطع للعبادة ANCHORITE وباليونانية ANAXWPHTHΣ أناخوريتيس وهو الراهب الذى يتخذ صومعة خاصة به يغلق عليه بابإما بمفتاح أو بواسطة حجر ، وكانت الصوامع قريبة من بعضها ومن يدخل على المنقطع يعلن قدومه بالنقر على الباب عدة مرات.

ووجدت عديد من هذه الصوامع المنفردة بجنوب سيناء فى أماكن عديدة حول منطقة الجبل المقدس وبين طور سيناء ومنطقة الجبل المقدس وبمنطقة رايثو (الطورحاليًا) وظهرت هذه الصوامع منذ القرن الثالث الميلادى وأصبح للراهب مدلول واضح إذ أنه يعرف بأنه المنسحب من الدنيا والمنقطع عن العالم

المرحلة الثانية

وهى مرحلة الكينوبيون وهى مرحلة التوحد الجماعى والتى تعتبر تطورًا طبيعيًا لمرحلة التوحد، ومقدمة حتمية للمرحلة الثالثة وهى الديرية وكانت السيق أو اللافرا LAVRAوهىمن الكلمة اليونانيةΛUPA لافرا بمعنى دير واللافرا هى مجموعة من القلايا الخاصة تحت إشراف Superior وهى تعبر عن الرهبنة الفلسطينية المصرية المبكرةوذكرت فى المخطوطات القديمة باسم السيق وجمعها أسياق وهى الصورة البسيطة للتجمع الرهبانى حيث أقام عدد من المريدين والنساك فى منشآت فردية وهى اللافرا ثم يجتمعوا أيام الأعياد ويومى السبت والأحد فى مكان عام للخدمات والطعام وهو الشكل الذى يسمى CENOBITE من اليونانية KOIVOBION كينوفيون وتتكون من مقطعين KOIVOΣكينوس وتعنى عام BIOΣ فيوس وتعنى حياة أى حياة عام

وكشفت منطقة آثار جنوب سيناء للآثار الإسلامية والقبطية نموذج لهذه المرحلة بوادى الأعوج 9كم جنوب شرق مدينة الطور وهى منطقة بها قلايا كثيرة أصحابها متحدون فى نظام الحياة ، وتمثل هذه المرحلة منتصف الطريق بين الناسك المتوحد والراهب الذى يعيش حياة مشتركة

المرحلة الثالثة

وهى النظام الديرانى الذى وضع أسسه القديس باخوميوس فى القرن الرابع الميلادى حيث وضع لهذه الحياة الرهبانية نظمها وطرائقها فى صورتها الجماعية يذكر المقريزى فى تعريفه للدير أنه خان النصارى والجمع أديار وصاحبه ديار وديرانى

وفى بداية القرن الخامس الميلادى وجدت الأديرة فى كل الأجزاء الشرقية من الإمبراطورية البيزنطية وكانت فى البداية عبارة عن مجموعة من القلايا تخدم مجموعة من الرهبان ، تختلف عن السكن الأسقفى الذى يحوى مكاتب ومبانى سكنية للقساوسة، وهذة المبانى التقليدية تختلف فى التخطيط طبقاً للتقاليد الرهبانية وتعاليم البناء المحلية وتشتمل على قلايا –حجرات ضيوف للحجاج – غرفة تناول الطعام Refectory وكنيسة، وقد تكون الكنيسة عبارة عن مجموعة حجرات كما فى دير الأنبا سمعان بأسوان ، وربما تكون موزعة حول مساحة مكشوفة كما فى شمال وشرق سوريا وأحياناً آسيا الصغرى
والدير هو المكان الذى يخصص لسكن الرهبان أو الراهبات أو الالتجاء إليه للتعبد وكان يعيش الرهبان داخل أسوار الدير فى قلايا تبنى فى أكثر أجزائه أمانًا كما فى دير أنبا سمعان حيث بنيت القلايا فى الجزء المرتفع الأكثر أمنًا كما كانت توضع خلف السور مباشرة لتقويته وليسهل عمل مجارى الصرف خارج السور كما فى دير الوادى المكتشف فى الطور ، أما فى العهد الإسلامى حيث ساد الأمن بين الأقباط فلم يعد هناك خطر من وجود قلايا خارج أسوار الدير.

والقلاّية اسمها القبطى NIPI وسماها العرب المونا ومن أوائل القلايا مكان القديس أنطونيوس بالبحر الأحمر الذى أنشأ عليه الدير بعد ذلك ، وقلاّية أنبا بولا وأنشأ مكانها دير بولا، ومن أهم القلايا تلك التى كشف عنها المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة فى منطقة القلايا (كيليا) وهى تنقسم إلى نوعين
الأول يتكون من مجموعة من القلايا تتجمع حول فناء كبير، والثانى يتكون من قلاّية كبيرة لها فناء وثلاث حجرات ربما كانت واحدة للراهب الكبير وأخرى لتلميذه وثالثة لضيوفه

والقلاية هى حجرة مربعة أو مستطيلة يغطيها قبو أو قبة وبها مصطبة من الطين لينام عليها الراهب وتوجد دخلة فى الجدار كدولاب لوضع حاجياته، وهذه المصاطب والدخلات توجد فى قلايا دير وادى الطوركما يحوى الدير كنيسة أو عدة كنائس وانتشرت الأديرة فى مصر من أسوان لمصر القديمة والصحراء الشرقية وسيناء والصحراء الغربية ومريوط كما انتشرت الأديرة خارج مصر وذخر جبل آثوس باليونان بكل أشكال الحياة الرهبانية وكان له شهرة تعادل شهرة جبل موسى بسيناء وهو عبارة عن شبه جزيرة ناتئة داخل البحر الإيجى قرب سالونيك شمال اليونان وانتشر بجبل آثوس جماعة من النساك من القرن التاسع الميلادى وحظى الجبل بالرعاية الإمبراطورية واجتذاب الرهبان إليه من كل أنحاء العالم الأرثوذكسى

ولم تكن الأديرة فى أوروبا منغلقة على نفسها فى الغابات الأوروبية وإنما أقاموها قرب المدن أو على أطرافها أو الطرق المؤدية إليها أو عند التقاء الطرق التجارية لتنشأ حولها المدينة فيما بعد ويصبح الدير مركزاً لها ، وجعلوا من الدير مقر عبادة ومؤسسة دينية ، فبالإضافة لرسالته الروحية فهو يقدم الخدمات الاجتماعية و الاقتصادية إلى أهالى المنطقة التى يوجد بها الدير ، وكانت هذه الأديرة على صلة بالعالم الخارجى من حولها ، أما الأديرة المصرية فى الفترة البيزنطية لم يكن لها صلة بالعالم الخارجى ولم يتحقق ذلك إلا فى العصر الإسلامى حيث اتسعت صلة الأديرة بالعالم شرقًا وغربًاخصوصًا دير سانت كاترين الذى تلقى الهدايا العديدة والتبرعات نتيجة هذه الصلات


من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.