كاسل الرسالات السماوية Written by  أيار 08, 2019 - 256 Views

مجمع نيقية" او المجمع " 325 م - المجمع المسكوني الأول

كتبت دينا منعم السيد 
باحث دكتوراه فى اللغة القبطية كلية الآداب جامعة الإسكندرية
مجمع نيقية"Nicia" 325 م

"المجمع العظيم – المجمع المقدس العظيم – المجمع الكبير المقدس – المجمع الكبير" هي مصطلحات مختلفة لمجمع واحد وهو مجمع نيقية المسكوني؛ أول مجمع مسكوني شهدته الكنيسة المسيحية.
فبعد أن أدرك الإمبراطور قسطنطين خطورة النزاع في الإسكندرية، وتأكده من أن المشكلة القائمة بين البابا إسكندر والأسقف أريوس أكبر من أن يُحل بخطاب يحمل كلماته إلى الطرفين، وبعد أن وقف على حقيقة الأمور بمساعدة مستشاره الديني هوسيوس، قرَّر أن يوجه دعوة إلى جميع الأساقفة يتيح لهم الفرصة؛ لإقرار قانون الإيمان الصحيح، وأن يتوصلوا إلى حل لفض النزاع الحادث. كما قد جعل كل ما يلزمهم للسفر على نفقة الحكومة، ربما تشجيعًا لهم لقدومهم.

ويذكر يوسابيوس القيصري - مؤرخ الكنيسة العظيم- أنه كان من بين الحضور لهذا المجمع أن الإمبراطور قام بإرسال رسائل إلى الأساقفة عبر فيها عن تقديره لهم كما أنه حاول بشتى الطرق أن يمهد لهم سبل الوصول إلى مكان المجمع، فلقد أمد البعض بالخيول والبعض سمح لهم استخدام طرق المواصلات العامة، وكل ذلك حتى يضمن الإمبراطور وصول الأساقفة.

وبالنظر إلى ما قام به الإمبراطور قسطنطين لإتمام انعقاد هذا المجمع والقضاء على هذا النزاع، نجده يدعو إلى الحيرة! فهل كان شغفه بالمسيحية هو الباعث على هذا الاهتمام وإن تأثير مستشاره هوسيوس ويوسابيوس القيصري هم وراء اهتمام قسطنطين بالمسيحية وشغفه بها، أم أن أهمية مدينة الإسكندرية للإمبراطورية البيزنطية جعلته يتخوف من هذا النزاع وتأثيره الاقتصادي على الإمبراطورية مما يمكن أن يجعل الإمبراطورية تخسر ولاية بـأهمية مدينة الإسكندرية، ولكن في النهاية؛ لا يسعنا إلا الاعتراف بأنه تعامل بذكاء كبير لحل هذه الأزمة التي اجتاحت الإسكندرية وكنيستها؛ إذ كان البعض قد ترجم اهتمام قسطنطين بأنه اعتراف منه بأهمية المسيحية والمسيح ودوره في تثبيت حكمه.

وقد تم عقد المجمع عام 325م بمدينة نيقية ،والتي سمي المجمع باسمها وذلك عقب عودة هوسيوس -كما سبق وذكرنا- وقد ساعد يوسابيوس على انعقاد هذا المجمع وذلك للموافقة على وجهة نظر أريوس، ولم يكن السبب الوحيد لانعقاد المجمع هو أريوس وإنما أثيرت ثلاث قضايا أخرى، هي: عماد الهراطقة، ويوم تعييد الفصح، وقضية المنشق ملتيوس أسقف ليكوبوليس الذي سبق وان ذكرنا قضيته ومساندة أريوس له أثناء عرض خلاف أريوس والبابا بطرس خاتم الشهداء.

افتتحت أولى جلسات المجمع في يوم 20 مايو سنة 325م، في القاعة الكبرى للقصر الإمبراطوري بمدينه نيقيه، ودخل الإمبراطور قسطنطين يرتدي عباءة أرجوانية مرصعة بالذهب والجواهر بمصاحبة مجموعة من ضباطه، ويذكر يوسابيوس القيصري عن حضور المجمع أنه كان بينهم فوارق شاسعه ليس فقط في الطوائف بل فوارق شخصية، وبرغم اختلاف بلدانهم والمسافات الشاسعة التي تبعدهم إلا أنهم اجتمعوا جميعا في مكان واحد، وداخل أسوار مدينة واحدة وقد عبر وقال: "كأنهم قد ضفروا إكليلا عظيما من الكهنة مكون من أفضل الزهور".

فلقد امتلأ المكان بأساقفة من مختلف بقاع العالم المعروف حينذاك، وقد حضر من أوروبا وأفريقية وآسيا، سوريين ، فينيقيين، وعرب وفلسطنيين ومصريين ولبنانيين، ومن بلاد النهرين وفارس وغلاطيه، وكبدوكية وأسبانيا،وكليكيا ، حتى وإن كان هناك بعض الدول حضر منها أسقف واحد فقط إلا إن أغلب الدول قد بعثت مندوبيها، بينما لم يحضر أسقف روما والذي أرسل بدلا عنه مندوبين آخرين.
وعلى الرغم من هذا الجمع الكبير من الأساقفة فإنَّ هناك خلافًا حول العدد المحدد للأساقفة الذين حضروا المجمع، فالبعض ذكر أنهم 320 أسقفًا، والبعض الآخر أنهم 300 أو أقل قليلًا، غير أن العدد المحدد الذي اتفق عليه أغلب مؤرخو الكنيسة، ومنهم البابا أثناسيوس الرسولى"Athanasuios" والذي كان حاضرًا المجمع بصفته شماس البابا إسكندر هو 310 اسقفا، ينقسمون إلى ثلاث.

1. الحزب المصري وعلى رأسه البابا إسكندر.
2. حزب أريوس وعلى رأسه يوسابيوس النيقوميدى.
3. حزب المحايدين وعلى رأسهم يوسابيوس القيصري والذي كان سكرتيرا للمجمع.

كما يقدر أن يكون من بين الثلاثمائة وثماني عشر أسقفا ثمان أسقف فقط من كنائس النصف الغربي اللاتيني؛ ويرجع ذلك إلى ضعف المسيحية في الغرب في ذلك الوقت.
ومن اللافت للنظر أنه يذكر أن عدد الأساقفة لم يكن متناسبًا مع التوزيع السكاني داخل حدود الإمبراطورية، حيث حضر أكثر من مائة أسقف من آسيا الصغرى وحوالي ثلاثين من سوريا وفينقية، وأقل من 20 من مصر وفلسطين و-كما ذكرنا- كان من بينهم البابا إسكندر الأول بطريرك الكنيسة التاسع عشر، ربما كان الوضع يعبر عن مناطق قوى ونفوذ وتركز المسيحين في أجزاء الإمبراطورية في ذلك الوقت .

افتتحت أول جلسة للمجمع بوقوف يوسابيوس القيصري سكرتير المجمع وإلقاء خطاب الافتتاح حيث قال:" أيها الملك العزيز؛ إننا نقدم الشكر لله العلي الملك السماوي الذي أعطاك الملك الأرضى وأنارك بنور الديانة المسيحية الشريفة لعبادة الإله الحقيقي، فنتضرع إلى الثالوث الأقدس الأب والابن والروح القدس، اللاهوت الواحد الطبيعة الواحدة أن يبارك ملكك وسلطانك ويعظم عزك وشأنك ويعطيك أيامك الصالحة لأنه هو الذي ألهمك عقد هذا المجمع، لذلك نحن أطعنا أمرك ومثلنا بين يدك وبما أنك علمت القلاقل التي أثارها أريوس بنشر بدعته وإذاعتها بين الملأ، نتوسل اليك أن تأمره أن يتقدم هو وأنصاره بعرض هذا التعليم الجديد الغريب ونحن نفاوضهم ونجاوبهم من البشائر والرسائل ونبؤات الأنبياء وسائر أقوال الله الشريفة الواردة في الكتب المقدسة، وحينئذ يتبين الحق من الباطل وتفعل ما تشاء .
​يظهر بشكل واضح في بداية الخطاب أن يوسابيوس يوجه الكلمة إلى الإمبراطور قسطنطين وكأنه إمبراطور مسيحي يؤمن بالمسيحية إيمانًا شديدًا على الرغم من كون أعمال الإمبراطور متأرجحة بين الوثنية والمسيحية حتى وقت انعقاد المجمع مما يجعل هناك تشككًا بهذا الجزء.

كما أن يوسابيوس الذى هو أحد أنصار أريوس وممن ساعدوه عقب خروجه من مصر والتوجه إلى فلسطين الا أن حسب لهجة يوسابيوس بالخطاب عن أريوس، فإنه إما أنه ادَّعى الحياد أمام الإمبراطور والحضور كونه سكرتير المجمع، أما إنه تخوف من إظهار مناصرته لأريوس وأيضا هناك تشكك بهذا الجزء .
وما يثبت وجهة نظرنا؛ إن البعض قد ذكر أن يوسابيوس عقب إلقائه الخطاب قام بتقديم قانون إيمان اعترض عليه البابا أثناسيوس وهو شماس البابا إسكندر وتصدى له، مما يؤكد أنه حتى وقت انعقاد المجمع كان يوسابيوس لا يزال يساند أريوس وتعاليمه ويتضح ذلك جليا في كلماته، وإن كان لم يعلن ذلك صراحة، وإنَّما كانت كلماته تعبر عما يكنن في نفسه.

وعندما حان الوقت لإلقاء الإمبراطور لكلمته قال: "سوف تعرض هذه الاتهامات في وقتها في اليوم العظيم أمام القاضى الكبير ولكنني رجل وسيكون الشر بداخلي إذا أخذت العلم من مثل هذه الأمور. وافتتحت الجلسة الأولى للمجمع وبدأ فريق أريوس يعرض آراءه وبدأ الخصوم بالرد عليهم وكان على رأسهم البابا أثناسيوس، كما احتدم الخلاف حول كلمة "نفس الجوهر""Homoousios؛ وهو ما حاول أريوس نفيه وأصر أثناسيوس على إثباته ولذلك فقام يوسابيوس القيصري بإيجاد حل وسطي (مشابه للجوهر)؛ حيث يقول: إن المسيح لم يخلق من العدم كما كان يقول أريوس، ولكنه مولود من الأب قبل كل الدهور أي قبل بداية الزمن في الأزل. في محاولة منه للوصول إلى ترضية لجميع الأطراف ربما تهدأ الأمور.
واستغرقت المناقشات في المجمع عدة جلسات، وظل الفريق الأريوسي متمسكًا برأيه والفريق المضاد على ما يعتقد ويزعم ويدافع، وفي النهاية تمت الموافقة على محاولة القديس أثناسيوس لصياغة قانون الإيمان النيقاوي، والذي ينص على :-

"بالحقيقة نؤمن بإله واحد الله الأب ضابط الكل خالق السماء والأرض ما يرى وما لا يرى نؤمن برب واحد يسوع المسيح ابن الله، الوحيد المولود من الرب قبل كل الدهور نور من نور إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق مساوٍ للأب في الجوهر الذي به كان كل شئ. هذا الذيمن أجلنا نحن البشر، ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسد في الروح القدس ومن مريم العذراء، وتأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس النبطي، تألم وقبر وقام من الأموات في اليوم الثالث كما في الكتب وصعد إلى السموات وجلس عن يمين أبيه، وأيضا يأتي في مجده يدين الأحياء والأموات الذي ليس لملكه انقضاء، نحن نؤمن بالروح القدس الرب المنجي المنبثق من الأب. نسجد له ونمجده مع الأب والابن الناطق في الأنبياء وبكنيسة واحدة مقدسة جامعة رسولية، ونعترف بمعمودية واحدة لمغفرة الخطايا وننتظر قيامة الأموات وحياة الضهر الآتي آمين".

وبذلك فلقد أقر المجمع أن الابن مساوٍ للأب في الجوهر والأزلية، وحرم كل من يقول بغير هذا، حيث إنه كان طبيعيًّا أن يعترض الفريق الأريوسي على هذا القانون والذي جاء عكس ما نادوا به، غير أن هذا الفريق لم يتعدّ السبعة عشر أسقفًا، إلى أن وصل في النهاية إلى ثلاثة أساقفة فقط، هم من قاموا بالوقوف بجانب أريوس في أفكاره، فبعد أن أدان المجمع تعاليم وقام بالحكم بالحرمان عليه ومعه أسقف نيقوميديا. إلا أن أريوس لم يخضع لهذا الحكم بل ظل ينادي برأيه وتعاليمه في السر، بعد أن أرسل إلى نيقوميديا مكبلًا بالقيود، ومنها إلى إيليريا المنطقة التي تقع في الجزء الغربي من مدينة البلقان مكان نفيه؛ لينفذ العقوبة التي وقعها المجمع عليه.

ويلزم هنا أن نتعرض لمن والوا أريوس وتبعوه أو حتى قاسوا مرارة النفي معه وهم: من رجال الإكليروس السكندري ومنهم: أرشيلاس Achillas وإيثالس Aeithales وكاربونس Caripone وساوماتس Sarmates
ومن الشمامسة: يوزيموس Euzious ولوقا Lucuis ويوليوس Lulius ومياس Meuas وهيلايوس Hellasius وجايوس Guius .
ومن الأساقفة: سكوندس Secundus وثيوناس Theonas.

وعقب الانتهاء من مجمع نيقية وقع قرار الحرمان ليس فقط على أريوس ولكن أسقفين أيضًا من أعوانه، وهم تيوناس أسقف مرمريكا في الركن الشمالي الغربي لمصر وسكونداس أسقف بصلوماليس في ليبيا (بنى غازى الآن). وبعد أن غادر أريوس الإسكندرية انضم اليه أعوانٌ آخرون، وهم: يوسابيوس النيقوميدى وهو من زملائه القدامى وأول مساعد له - كما سبق وأن أوضحنا- وأيضًا الأسقف يوسابيوس القيصرى وثيودرت الأذقى وبولين أسقف صور.

وأمام ذلك كان هناك أيضا من هم ضد أريوس وأولهم أثناسيوس الرسولي وأيضا يوستاثيوس Eustathius الأنطاكي وهوسيوس Hosius القرطبي وليبريوس Liberius الروماني ومكأريوس Macaruis الورشليمي ثم الآباء الكبادوكيون الثلاثة. جريجورى النازيانزي Gerogoriosnazianus وجريجورى النيساوى Gerogriousnussuius وباسيليوس Basilius أسقف قيسارية كبادوكية.

من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.