كاسل الرسالات السماوية

كاسل الرسالات السماوية

"قبة الإمام الشافعي".. أقدم أضرحة مصر الإسلامية

كتب : سامح طلعت

تُعد قبة الإمام الشافعي أحد أكبر الأضرحة الإسلامية في مصر، وتقع فى ميدان الإمام الشافعى، تحديدًا بقرافة الإمام الشافعى بالقاهرة، ووفقا للنص المنقوش على العتب الخشبى للشباك الغربى للقبة، فإن منشئها هو الملك الكامل بن الملك العادل أبى بكر بن
أيوب، والذى تولى الحكم في سنة 615 هجرية، 1218 ميلادية، وإن كانت والدته هي التي قامت ببنائه عام 1211 ميلادية، أي قبيل توليه الحكم بحوالي سبعة سنوات، ويُعد حتي اليوم درة الدولة الأيوبي
أما عن السبب الحقيقي الذي دفع والدة الملك الكامل لبناء ذلك الضريح، فيأتي إكراما وتعظيما للإمام الشافعي، والذي ولد بغزة سنة 150 هجرية، ورحل إلى مكة ونشأ بها، حيث حفظ القرآن، ثم رحل إلى المدينة وأصبح فقيها بها بعد وفاة الإمام مالك، ثم رحل إلى
بغداد، ومنها إلي مصر وظل بها حتى توفى سنة 204 هجرية.

وتعتبر قبة الإمام الشافعى من أجمل القباب التى بنيت فى مصر، وهى عبارة عن مساحة مربعة، بُنى الجزء السفلى منها بالحجر، ويبلغ ارتفاعه حوالي 10.62 متر، بينما الجزء العلوى من الآجر فيبلغ ارتفاعه 6.16 متر بالشرافات المسننة، في حين نجد أن الجزء
السفلى من الخارج، فعبارة عن مداميك حجرية متتالية دون أى زخرفة أو فتحات، ويلى ذلك الجزء كورنيش حجرى بارز، وتتوسط الجدران أعلى الكورنيش فتحة شباك على هيئة عقد مدبب، على كل جانب من جانبيه دخلة ذات صدر مقرنص وحنية معقودة، ويتوج هذا
القسم شرفة من الآجر المزخرف بالأشكال الهندسية، يعترضها دعامات من الآجر المكسى بالجص المزخرف بزخارف نباتية وهندسية وكتابية.أما الجزء العلوى من الضريح فيرتد عن الجزء السفلى إلى الخلف، فنتج عن ذلك ممشى ينحصر بين السور والجزء العلوى من
المربع السفلى للقبة، وينتهى هذا الجزء بصف من الشرافات المسننة.

وتعد القبة من أروع القباب فى عمارة مصر الإسلامية وأقدمها، إذ حليت بزخارف وكتابات تعتبر آية من آيات الفن المعمارى، وهى ذات قطاع مدبب، ومشيدة من الخشب، ومكسية بألواح من الرصاص، وقد فتح برقبتها ستة عشرة نافذة للإضاءة والتهوية، وقد اشتهرت
هذه القبة بـ"العشارى" الذى يعلوها، وهو مركب صغير مثبت فى هلالها، تتدلى منه سلسلة حديدية يقال أنها وضعت ليتسلقها من يقوم بوضع الحبوب للطير، والأرجح أنها تشير إلى علم الإمام الشافعى الذى سمى ببحر العلوم
وتحتوى القبة على تابوتين خشبيين رائعين، أولهما تابوت الإمام الشافعي، والذى صنعه "ابن معالى النجار"، وهو ذو غطاء هرمى حافل بالكتابات النسخية والكوفية، ويشتمل على حشوات مجمعة على شكل الأطباق النجمية، ومنقوشة بزخارف نباتية، وتحيط مقصورة
خشبية بهذا التابوت أقامتها لجنة حفظ الآثار العربية سنة 1329 هجرية لحمايته، ويتقدم التركيبة الخشبية شاهد قبر رخامى على هيئة عمود اسطوانى نقش عليه بخط النسخ ستة عشر سطرا، وتتضمن اسم الإمام الشافعى ونسبه الممتد حتى عبد مناف جد
النبى صلى الله عليه وسلم، وتاريخ مولده ووفاته.


أما عن التابوت الثاني فيُنسب لأم الملك الكامل، وقد دقت جوانبه بالأويمة فى أشكال نباتية رائعة، تتوسطها حشوات نجمية، كما أن بها مقصورة ثانية يقال أنها لأولاد ابن عبد الحكم، وهى أسرة الفقيه الذى استضاف الإمام الشافعى عند قدومه مصر، كما دُفن بمقبرة
الإمام الشافعى أيضا الملكة "شمسة"، زوجة صلاح الدين الأيوبي، وابنه العزيز عثمان، ولكن قبريهما غير محددين



الكنيسة المعلقة واحدة من أقدم كنائس مصر


كتب : سامح طلعت

تقع الكنيسة المعلقة في حي مصر القديمة، في منطقة القاهرة القبطية الأثرية الهامة، فهي على مقربة من جامع عمرو بن العاص، ومعبد بن عزرا اليهودي، وكنيسة القديس مينا بجوار حصن بابليون، وكنيسة الشهيد مرقوريوس (أبو سيفين)، وكنائس عديدة أخرى. وسميت بالمعلقة لأنها بنيت على برجين من الأبراج القديمة للحصن الروماني (حصن بابليون)، ذلك الذي كان قد بناه الإمبراطور تراجان في القرن الثاني الميلادي، وتعتبر المعلقة هي أقدم الكنائس التي لا تزال باقية في مصر
الكنيسة بنيت على أنقاض مكان احتمت فيه العائلة المقدسة (السيدة مريم العذراء، المسيح الطفل، والقديس يوسف النجار) أثناء الثلاث سنوات التي قضوها في مصر هروبا من هيرودس حاكم فلسطين الذي كان قد أمر بقتل الأطفال تخوفا من نبوؤة وردته. والبعض يرى أنها مكان لقلاية (مكان للخلوة) كان يعيش فيها أحد الرهبان النساء، في واحد من السراديب الصخرية المحفورة في المكان.

جددت الكنيسة عدة مرات خلال العصر الإسلامي مرة في خلافة هارون الرشيد حينما طلب البطريرك الأنبا مرقس من الوالي الإذن بتجديد الكنيسة.
ومرة في عهد العزيز بالله الفاطمي الذي سمح للبطريرك افرام السرياني بتجديد كافة كنائس مصر، وإصلاح ما تهدم. ومرة ثالثة في عهد الظاهر لإعزاز دين الله. كانت مقرا للعديد من البطاركة منذ القرن الحادي عشر، وكان البطريرك خريستودولوس هو أول من اتخذ الكنيسة المعلقة مقرا لبابا الإسكندرية، وقد دفن بها عدد من البطاركة في القرنين الحادي عشر والثاني عشر، ولا تزال توجد لهم صور وأيقونات بالكنيسة تضاء لها الشموع، وكانت تقام بها محاكمات الكهنة، والأساقفة، ومحاكمات المهرطقين فيها أيضا، وتعتبر مزارا هاما للـأقباط، نظرا لقدمها التاريخي، وارتباط المكان بالعائلة المقدسة، ووجودها بين كنائس وأديرة لـقديسين أجلاء، فتسهل زيارتهم

الأميرالاي محمد صادق بك أول من التقط أول صور للكعبة والحج قبل 133 سنة

كتب | سامح طلعت

بمناسبة الاحتفال بعيد الاضحي المبارك
و موسم الحج
 
قصة الأميرالاي محمد صادق بك
الذي التقط أول صور للكعبة والحج قبل 133 سنة

في مكتبة الملك عبد العزيز بالرياض أرشيف نادر، يضم خرائط ومخطوطات وأكثر من 6 آلاف صورة قديمة للسعودية، وأقدمها للحرمين الشريفين في مكة والمدينة وللحج ومراحله هو ما التقطه عسكري مصري كان برتبة تعادل لواء حاليا، واستخدم كاميرا لا نرى مثلها إلا في متاحف متخصصة، وبها التقط "الأميرالاي أركان حرب محمد صادق بك" أقدم صور الأرشيف

درس الهندسة الحربية والتصوير في باريس وحصل من إحدى كلياتها على دبلوم، ثم التحق بالجيش المصري، وبعدها زار المملكة 3 مرات بين 1860 و1880 والتقط فيها صورا متنوعة، كما وضع خرائط من رسمه وكتابات لتسهيل الطريق إلى الحج.

قام بتألف 4 كتب عن رحلاته، أهمها "مشعل المحمل" من 60 صفحة وطبع في 1867 وثانية في 1881 بمطبعة وادي النيل في القاهرة، وعثرت "العربية.نت" على أصله مصورا "أون لاين" وفيه ذكر أحداث كل يوم بالتاريخ الهجري والميلادي، ونشر خريطة من رسمه للسير من القاهرة إلى مكة والمدينة، مع العودة منهما، كما ذكر أسماء المحطات الشهيرة والبلدات والقرى على الطريق

وأول صور محمد صادق بيه كانت للحرم النبوي الشريف وللكعبة في 1880 أثناء رحلته التي انطلقت "من ميدان محمد علي في الساعة الثالثة بحضور ذي العز والطبع الشفيق جناب الخديوي الأعظم محمد باشا توفيق واستلم سعادة أمير الحاج اللواء عاكف باشا زمام جمل المحمل كالعادة من اليد الشريفة الخديوية بحضور النظار (يقصد الوزراء) العظام وقاضي أفندي وشيخ الإسلام وجميع الذوات الفخام والأمراء وسار في موكب عظيم.." بحسب روايته في الكتاب

كما أن مجموعته الأولى، وهي من 12 صورة، حصلت على الميدالية الذهبية في الدورة الثالثة لجمعية الجغرافيين الدوليين في 1881 بالبندقية

نبي الله نوح عليه السلام

نبي الله نوح عليه السلام 
قصص الأنبياء 
نوح عليه السلام
نبذة:
هو نبي الله نوح من اشتهر بالطوفان و بعمره الذي اقترب من الألف عام قادهم في الدعوة للدين و لعبادة الله و ترك الأصنام و الوثنية و كان نوح تقيا صادقا أرسله الله ليهدي قومه وينذرهم عذاب الآخرة ولكنهم عصوه وكذبوه، ومع ذلك استمر يدعوهم إلى الدين الحنيف فاتبعه قليل من الناس، واستمر الكفرة في طغيانهم فمنع الله عنهم المطر ودعاهم نوح أن يؤمنوا حتى يرفع الله عنهم العذاب فآمنوا فرفع الله عنهم العذاب ولكنهم رجعوا إلى كفرهم، وأخذ يدعوهم 950 سنة ثم أمره الله ببناء السفينة وأن يأخذ معه زوجا من كل نوع ثم جاء الطوفان فأغرقهم أجمعين

سيرته:

حال الناس قبل بعثة نوح:

قبل أن يولد قوم نوح عاش خمسة رجال صالحين من أجداد قوم نوح، عاشوا زمنا ثم ماتوا، كانت أسماء الرجال الخمسة هي: (ودَّ، سُواع، يغوث، يعوق، نسرا). بعد موتهم صنع الناس لهم تماثيل في مجال الذكرى والتكريم، ومضى الوقت.. ومات الذين نحتوا التماثيل.. وجاء أبنائهم.. ومات الأبناء وجاء أبناء الأبناء.. ثم نسجت قصصا وحكايات حول التماثيل تعزو لها قوة خاصة.. واستغل إبليس الفرصة، وأوهم الناس أن هذه تماثيل آلهة تملك النفع وتقدر على الضرر.. وبدأ الناس يعبدون هذه التماثيل.

إرسال نوح عليه السلام:

كان نوح كان على الفطرة مؤمنا بالله تعالى قبل بعثته إلى الناس. وكل الأنبياء مؤمنون بالله تعالى قبل بعثتهم. وكان كثير الشكل لله عزّ وجلّ. فاختاره الله لحمل الرسالة. فخرج نوح على قومه وبدأ دعوته:
يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ
بهذه الجملة الموجزة وضع نوح قومه أمام حقيقة الألوهية.. وحقيقة البعث. هناك إله خالق وهو وحده الذي يستحق العبادة.. وهناك موت ثم بعث ثم يوم للقيامة. يوم عظيم، فيه عذاب يوم عظيم.شرح "نوح" لقومه أنه يستحيل أن يكون هناك غير إله واحد هو الخالق. أفهمهم أن الشيطان قد خدعهم زمنا طويلا، وأن الوقت قد جاء ليتوقف هذا الخداع، حدثهم نوح عن تكريم الله للإنسان. كيف خلقه، ومنحه الرزق وأعطاه نعمة العقل، وليست عبادة الأصنام غير ظلم خانق للعقل.

تحرك قوم نوح في اتجاهين بعد دعوته. لمست الدعوة قلوب الضعفاء والفقراء والبؤساء، وانحنت على جراحهم وآلامهم بالرحمة.. أما الأغنياء والأقوياء والكبراء، تأملوا الدعوة بعين الشك… ولما كانوا يستفيدون من بقاء الأوضاع على ما هي عليه.. فقد بدءوا حربهم ضد نوح.

في البداية اتهموا نوحا بأنه بشر مثلهم:

فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا

قال تفسير القرطبي: الملأ الذين كفروا من قومه هم الرؤساء الذين كانوا في قومه. يسمون الملأ لأنهم مليئون بما يقولون.

قال هؤلاء الملأ لنوح: أنت بشر يا نوح.

رغم أن نوحا لم يقل غير ذلك، وأكد أنه مجرد بشر.. والله يرسل إلى الأرض رسولا من البشر، لأن الأرض يسكنها البشر، ولو كانت الأرض تسكنها الملائكة لأرسل الله رسولا من الملائكة.. استمرت الحرب بين الكافرين ونوح.

في البداية، تصور الكفرة يومها أن دعوة نوح لا تلبث أن تنطفئ وحدها، فلما وجدوا الدعوة تجتذب الفقراء والضعفاء وأهل الصناعات البسيطة بدءوا الهجوم على نوح من هذه الناحية. هاجموه في أتباعه، وقالوا له: لم يتبعك غير الفقراء والضعفاء والأراذل.

هكذا اندلع الصراع بين نوح ورؤساء قومه. ولجأ الذين كفروا إلى المساومة. قالوا لنوح: اسمع يا نوح. إذا أردت أن نؤمن لك فاطرد الذين آمنوا بك. إنهم ضعفاء وفقراء، ونحن سادة القوم وأغنياؤهم.. ويستحيل أن تضمنا دعوة واحدة مع هؤلاء.

واستمع نوح إلى كفار قومه وأدرك أنهم يعاندون، ورغم ذلك كان طيبا في رده. أفهم قومه أنه لا يستطيع أن يطرد المؤمنين، لأنهم أولا ليسوا ضيوفه، إنما هم ضيوف الله.. وليست الرحمة بيته الذي يدخل فيه من يشاء أو يطرد منه من يشاء، إنما الرحمة بيت الله الذي يستقبل فيه من يشاء.
كان نوح يناقش كل حجج الكافرين بمنطق الأنبياء الكريم الوجيه. وهو منطق الفكر الذي يجرد نفسه من الكبرياء الشخصي وهوى المصالح الخاصة.

قال لهم إن الله قد آتاه الرسالة والنبوة والرحمة. ولم يروا هم ما آتاه الله، وهو بالتالي لا يجبرهم على الإيمان برسالته وهم كارهون. إن كلمة لا إله إلا الله لا تفرض على أحد من البشر. أفهمهم أنه لا يطلب منهم مقابلا لدعوته، لا يطلب منهم مالا فيثقل عليهم، إن أجره على الله، هو الذي يعطيه ثوابه. أفهمهم أنه لا يستطيع أن يطرد الذين آمنوا بالله، وأن له حدوده كنبي. وحدوده لا تعطيه حق طرد المؤمنين لسببين: أنهم سيلقون الله مؤمنين به فكيف يطرد مؤمنا بالله؟ ثم أنه لو طردهم لخاصموه عند الله، ويجازي من طردهم، فمن الذي ينصر نوحا من الله لو طردهم؟ وهكذا انتهى نوح إلى أن مطالبة قومه له بطرد المؤمنين جهل منهم.

وعاد نوح يقول لهم أنه لا يدعى لنفسه أكثر مما له من حق، وأخبرهم بتذللـه وتواضعه لله عز وجل، فهو لا يدعي لنفسه ما ليس له من خزائن الله، وهي إنعامه على من يشاء من عباده، وهو لا يعلم الغيب، لأن الغيب علم اختص الله تعالى وحده به. أخبرهم أيضا أنه ليس ملكا. بمعنى أن منزلته ليست كمنزلة الملائكة..
قال لهم نوح:

إن الذين تزدري أعينكم وتحتقر وتستثقل.. إن هؤلاء المؤمنين الذي تحتقرونهم لن تبطل أجورهم وتضيع لاحتقاركم لهم، الله أعلم بما في أنفسهم. هو الذي يجازيهم عليه ويؤاخذهم به.. أظلم نفسي لو قلت إن الله لن يؤتيهم خيرا.

وسئم الملأ يومها من هذا الجدل الذي يجادله نوح.. حكى الله موقفهم منه في سورة (هود):

قَالُواْ يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شَاء وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ (33) وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34) (هود)

أضاف نوح إغواءهم إلى الله تعالى. تسليما بأن الله هو الفاعل في كل حال. غير أنهم استحقوا الضلال بموقفهم الاختياري وملئ حريتهم وكامل إرادتهم.. فالإنسان صانع لأفعاله ولكنه محتاج في صدورها عنه إلى ربه. بهذه النظرة يستقيم معنى مساءلة الإنسان عن أفعاله. كل ما في الأمر أن الله ييسر كل مخلوق لما خلق له، سواء أكان التيسير إلى الخير أم إلى الشر.. وهذا من تمام الحرية وكمالها. يختار الإنسان بحريته فييسر له الله تعالى طريق ما اختاره. اختار كفار قوم نوح طريق الغواية فيسره الله لهم.

وتستمر المعركة، وتطول المناقشة بين الكافرين من قوم نوح وبينه إذا انهارت كل حجج الكافرين ولم يعد لديهم ما يقال، بدءوا يخرجون عن حدود الأدب ويشتمون نبي الله:

قَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ (60) (الأعراف)

ورد عليهم نوح بأدب الأنبياء العظيم:

قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلاَلَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (62) (الأعراف)

ويستمر نوح في دعوة قومه إلى الله. ساعة بعد ساعة. ويوما بعد يوم. وعاما بعد عام. ومرت الأعوام ونوح يدعو قومه. كان يدعوهم ليلا ونهارا، وسرا وجهرا، يضرب لهم الأمثال. ويشرح لهم الآيات ويبين لهم قدرة الله في الكائنات، وكلما دعاهم إلى الله فروا منه، وكلما دعاهم ليغفر الله لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستكبروا عن سماع الحق.
واستمر نوح يدعو قومه إلى الله ألف سنة إلا خمسين عاما.
وكان يلاحظ أن عدد المؤمنين لا يزيد، بينما يزيد عدد الكافرين. وحزن نوح غير أنه لم يفقد الأمل، وظل يدعو قومه ويجادلهم، وظل قومه على الكبرياء والكفر والتبجح. وحزن نوح على قومه. لكنه لم يبلغ درجة اليأس. ظل محتفظا بالأمل طوال 950 سنة. ويبدو أن أعمار الناس قبل الطوفان كانت طويلة، وربما يكون هذا العمر الطويل لنوح معجزة خاصة له.

وجاء يوم أوحى الله إليه، أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن. أوحى الله إليه ألا يحزن عليهم. ساعتها دعا نوح على الكافرين بالهلاك:

وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) (نوح)

برر نوح دعوته بقوله:

إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (26) (نوح)

الطوفان:

ثم أصدر الله تعالى حكمه على الكافرين بالطوفان. أخبر الله تعالى عبده نوحا أنه سيصنع سفينة (بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا) أي بعلم الله وتعليمه، وعلى مرأى منه وطبقا لتوجيهاته ومساعدة الملائكة. أصدر الله تعالى أمره إلى نوح: (وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ) يغرق الله الذين ظلموا مهما كانت أهميتهم أو قرابتهم للنبي، وينهى الله نبيه أن يخاطبه أو يتوسط لهم.

وبدأ نوح يغرس الشجر ويزرعه ليصنع منه السفينة. انتظر سنوات، ثم قطع ما زرعه، وبدأ نجارته. كانت سفينة عظيمة الطول والارتفاع والمتانة، وقد اختلف المفسرون في حجمها، وهيئتها، وعدد طبقاتها، ومدة عملها، والمكان الذي عملت فيه، ومقدار طولها، وعرضها، على أقوال متعارضة لم يصح منها شيء. وقال الفخر الرازي في هذا كله:
أعلم أن هذه المباحث لا تعجبني، لأنها أمور لا حاجة إلى معرفتها البتة، ولا يتعلق بمعرفتها فائدة أصلا. نحن نتفق مع الرازي في مقولته هذه. فنحن لا نعرف عن حقيقة هذه السفينة إلا ما حدثنا الله به. تجاوز الله تعالى هذه التفصيلات التي لا أهمية لها، إلى مضمون القصة ومغزاها المهم.

بدأ نوح يبني السفينة، ويمر عليه الكفار فيرونه منهمكا في صنع السفينة، والجفاف سائد، وليست هناك أنهار قريبة أو بحار. كيف ستجري هذه السفينة إذن يا نوح؟ هل ستجري على الأرض؟ أين الماء الذي يمكن أن تسبح فيه سفينتك؟ لقد جن نوح، وترتفع ضحكات الكافرين وتزداد سخريتهم من نوح. وكانوا يسخرون منه قائلين: صرت نجارا بعد أن كنت نبيا!

إن قمة الصراع في قصة نوح تتجلى في هذه المساحة الزمنية، إن الباطل يسخر من الحق. يضحك عليه طويلا، متصورا أن الدنيا ملكه، وأن الأمن نصيبه، وأن العذاب غير واقع.. غير أن هذا كله مؤقت بموعد حلول الطوفان. عندئذ يسخر المؤمنون من الكافرين، وتكون سخريتهم هي الحق.

انتهى صنع السفينة، وجلس نوح ينتظر أمر الله. أوحى الله إلى نوح أنه إذا فار التنور هذا علامة على بدء الطوفان. قيل في تفسير التنور أنه بركان في المنطقة، وقيل أن الفرن الكائن في بيت نوح، إذا خرج منه الماء وفار كان هذا أمرا لنوح بالحركة.

وجاء اليوم الرهيب، فار التنور. وأسرع نوح يفتح سفينته ويدعو المؤمنين به، وهبط جبريل عليه السلام إلى الأرض. حمل نوح إلى السفينة من كل حيوان وطير ووحش زوجين اثنين، بقرا وثورا، فيلا وفيلة، عصفورا وعصفور، نمرا ونمرة، إلى آخر المخلوقات. كان نوح قد صنع أقفاصا للوحوش وهو يصنع السفينة. وساق جبريل عليه السلام أمامه من كل زوجين اثنين، لضمان بقاء نوع الحيوان والطير على الأرض، وهذا معناه أن الطوفان أغرق الأرض كلها، فلولا ذلك ما كان هناك معنى لحمل هذه الأنواع من الحيوان والطير. وبدأ صعود السفينة. صعدت الحيوانات والوحوش والطيور، وصعد من آمن بنوح، وكان عدد المؤمنين قليلا.

لم تكن زوجة نوح مؤمنة به فلم تصعد، وكان أحد أبنائه يخفي كفره ويبدي الإيمان أمام نوح، فلم يصعد هو الآخر. وكانت أغلبية الناس غير مؤمنة هي الأخرى، فلم تصعد. وصعد المؤمنون. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: آمن من قوم نوح ثمانون إنسانا.

ارتفعت المياه من فتحات الأرض. انهمرت من السماء أمطارا غزيرة بكميات لم تر مثلها الأرض. فالتقت أمطار السماء بمياه الأرض، وصارت ترتفع ساعة بعد ساعة. فقدت البحار هدوئها، وانفجرت أمواجها تجور على اليابسة، وتكتسح الأرض. وغرقت الكرة الأرضية للمرة الأولى في المياه.

ارتفعت المياه أعلى من الناس. تجاوزت قمم الأشجار، وقمم الجبال، وغطت سطح الأرض كله. وفي بداية الطوفان نادى نوح ابنه. كان ابنه يقف بمعزل منه. ويحكي لنا المولى عز وجل الحوار القصير الذي دار بين نوح عليه السلام وابنه قبل أن يحول بينهما الموج فجأة.

نادى نوح ابنه قائلا: يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ
ورد الابن عليه: قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء
عاد نوح يخاطبه: قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ
وانتهى الحوار بين نوح وابنه:
وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ

انظر إلى تعبير القرآن الكريم (وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ) أنهى الموج حوارهما فجأة. نظر نوح فلم يجد ابنه. لم يجد غير جبال الموج التي ترتفع وترفع معها السفينة، وتفقدها رؤية كل شيء غير المياه. وشاءت رحمة الله أن يغرق الابن بعيدا عن عين الأب، رحمة منه بالأب، واعتقد نوح أن ابنه المؤمن تصور أن الجبل سيعصمه من الماء، فغرق.

واستمر الطوفان. استمر يحمل سفينة نوح. بعد ساعات من بدايته، كانت كل عين تطرف على الأرض قد هلكت غرقا. لم يعد باقيا من الحياة والأحياء غير هذا الجزء الخشبي من سفينة نوح، وهو ينطوي على الخلاصة المؤمنة من أهل الأرض. وأنواع الحيوانات والطيور التي اختيرت بعناية. ومن الصعب اليوم تصور هول الطوفان أو عظمته. كان شيئا مروعا يدل على قدرة الخالق. كانت السفينة تجري بهم في موج كالجبال. ويعتقد بعض العلماء الجيولوجيا اليوم إن انفصال القارات وتشكل الأرض في صورتها الحالية، قد وقعا نتيجة طوفان قديم جبار، ثارت فيه المياه ثورة غير مفهومة. حتى غطت سطح الجزء اليابس من الأرض، وارتفعت فيه قيعان المحيطات ووقع فيه ما نستطيع تسميته بالثورة الجغرافية.
استمر طوفان نوح زمنا لا نعرف مقداره. ثم صدر الأمر الإلهي إلى السماء أن تكف عن الإمطار، وإلى الأرض أن تستقر وتبتلع الماء، وإلى أخشاب السفينة أن ترسو على الجودي، وهو اسم مكان قديم يقال أنه جبل في العراق. طهر الطوفان الأرض وغسلها. قال تعالى في سورة (هود):

وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44) (هود)

(وَغِيضَ الْمَاء) بمعنى نقص الماء وانصرف عائدا إلى فتحات الأرض. (وَقُضِيَ الأَمْرُ) بمعنى أنه أحكم وفرغ منه، يعني هلك الكافرون من قوم نوح تماما. ويقال أن الله أعقم أرحامهم أربعين سنة قبل الطوفان، فلم يكن فيمن هلك طفل أو صغير. (وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ) بمعنى رست عليه، وقيل كان ذلك يوم عاشوراء. فصامه نوح، وأمر من معه بصيامه. (وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) أي هلاكا لهم. طهر الطوفان الأرض منهم وغسلها. ذهب الهول بذهاب الطوفان. وانتقل الصراع من الموج إلى نفس نوح.. تذكر ابنه الذي غرق.

لم يكن نوح يعرف حتى هذه اللحظة أن ابنه كافر. كان يتصور أنه مؤمن عنيد، آثر النجاة باللجوء إلى جبل. وكان الموج قد أنهى حوارهما قبل أن يتم.. فلم يعرف نوح حظ ابنه من الإيمان. تحركت في قلب الأب عواطف الأبوة. قال تعالى في سورة (هود):

وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) (هود)
أراد نوح أن يقول لله أن ابنه من أهله المؤمنين. وقد وعده الله بنجاة أهله المؤمنين. قال الله سبحانه وتعالى، مطلعا نوحا على حقيقة ابنه للمرة الأولى:

يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) (هود)

قال القرطبي -نقلا عن شيوخه من العلماء- وهو الرأي الذي نؤثره: كان ابنه عنده -أي نوح- مؤمنا في ظنه، ولم يك نوح يقول لربه: (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) إلا وذلك عنده كذلك، إذ محال أن يسأل هلاك الكفار، ثم يسأل في إنجاء بعضهم. وكان ابنه يسرّ الكفر ويظهر الإيمان. فأخبر الله تعالى نوحا بما هو منفرد به من علم الغيوب. أي علمت من حال ابنك ما لم تعلمه أنت. وكان الله حين يعظه أن يكون من الجاهلين، يريد أن يبرئه من تصور أن يكون ابنه مؤمنا، ثم يهلك مع الكافرين.

وثمة درس مهم تنطوي عليه الآيات الكريمة التي تحكي قصة نوح وابنه. أراد الله سبحانه وتعالى أن يقول لنبيه الكريم أن ابنه ليس من أهله، لأنه لم يؤمن بالله، وليس الدم هو الصلة الحقيقية بين الناس. ابن النبي هو ابنه في العقيدة. هو من يتبع الله والنبي، وليس ابنه من يكفر به ولو كان من صلبه. هنا ينبغي أن يتبرأ المؤمن من غير المؤمن. وهنا أيضا ينبغي أن تتصل بين المؤمنين صلات العقيدة فحسب. لا اعتبارات الدم أو الجنس أو اللون أو الأرض.

واستغفر نوح ربه وتاب إليه ورحمه الله وأمره أن يهبط من السفينة محاطا ببركة الله ورعايته. وهبط نوح من سفينته. أطلق سراح الطيور والوحش فتفرقت في الأرض، نزل المؤمنون بعد ذلك. ولا يحكي لنا القرآن الكريم قصة من آمن مع نوح بعد نجاتهم من الطوفان

الفريضة الخامسة ... الحج ...لمن إستطاع إليه سبيلا

كتب : د عبير المعداوي 
 
كل عام و حضراتكم بألف خير

" لبيك اللهم لبيك ،لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك " 
 
في كل عام يحتفل العالم الإسلامي بعيد الأضحى و هو العيد الذي إرتبط بالفريضة الخامسة ألا و هي حج بيت الله الحرام في مكة المكرمة و أداء الفريضة المتممة للفرائض الواجبة على كل مسلم عند اعتناقه الاسلام دينا ، و الحج  لمن إستطاع إليه سبيلا ...خلال المقال سوف ننقل أفضل ما قيل عن هذه الفريضية الهامة و شئونها ، لكن اسمحوا لي أن أهنىء العالم الإسلامي بل و المسيحي و اليهودي بهذه المناسبة لأنها تتعلق بسيدنا إبراهيم عليه الصلاة و السلام أبو الأنبياء ، من هنا أرى مناسبة عيد الأضحى و الحج عند المسلمين فرصة رائعة للتقارب و للتشارك و لفرض وقت من الاحتفال و كذلك نعلم مزيدا المعلومات و المعرفة حول حج بيت الله الذي يعتبر خامس فريضه بعد قول الشهادتين و الصلاة و الصوم و الزكاة و يأتي الحج متمماً للفرائض كي يصبح المسلم مسلما حقيقيا .

إن الحج هو ركن أساسي من أركان الإسلام الخمسة. فُرض الحج على المسلم الذي يستطيع اليه سبيلا، وذلك مرة واحدة في حياته. من شعائر الحج أن يتهيأ المُسلم في مجموعة من الأيام المحددة، ليسمو فوق روتين الحياة اليومية ليتقرب أكثر الى الله – سبحانه وتعالى -.

سوف يبدأ الحج لعام 2019 في يوم الجمعة التاسع من أغسطس، ليستمر حتى يوم الأربعاء الرابع عشر من أغسطس في التوقيت الليلي. هذا التوقيت تقريبي لأن التوقيت الفعلي يعتمد على رؤية القمر لشهر ذو الحجة.

طبقاً للتقويم الإسلامي، سوف يبدأ موسم الحج للمسلمين في اليوم الثامن من شهر ذو الحجة وينتهي في اليوم الثالث عشر من نفس الشهر الإسلامي. هناك العديد من شعائر الحج والتي يجب على الحجاج أن يقوموا بها في الحج على مدار الخمسة أيام. في كل عام، يذهب الملايين من المسلمين للحج الى مكة المكرمة، بالمملكة العربية السعودية.

في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم -، جُعل الحج الزامياً على جميع المُسلمين مرة واحدة في حياتهم. إن الغرض الأساسي للحج هو تقوية إيمان المُسلم وتنقيته من الذنوب والمعاصي. يقول الله – عز وجل – عن منافع الحج:

" لِيَشهَدوا مَنافِعَ لَهُم وَيَذكُرُوا اسمَ اللَّهِ في أَيّامٍ مَعلوماتٍ عَلىٰ ما رَزَقَهُم مِن بَهيمَةِ الأَنعامِ ۖ فَكُلوا مِنها وَأَطعِمُوا البائِسَ الفَقيرَ " (سورة الحج:28)

إن شعائر الحج قد تم وضعها بواسطة النبي – صلى الله عليه وسلم – في شكلها الحالي. تدُل هذه الشعائر على تضحية سيدنا أبراهيم – عليه السلام – وعلى أمتثاله التام لأوامر الله – سبحانه وتعالى - . ومن ثم، فأن كل الخطوات في الحج، مروراً بالطواف والسعي حتى رجم حجر الشيطان، هي تذكرة للإيمان الذي يجب أن يتحلى به المُسلم نحو ربه كما بين لنا سيدُنا أبراهيم – عليه السلام -
.
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، قَالاَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سُئِلَ أَىُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ فَقَالَ ‏"‏ إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ‏"‏‏.‏ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ‏"‏ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ‏"‏‏.‏ قِيلَ ثُمَّ مَاذَا قَالَ ‏"‏ حَجٌّ مَبْرُورٌ ‏"‏‏.‏ (البخاري 2:25)

يأتي الإحتفال بعيد الأضحى في اليوم العاشر من ذو الحجة. يقوم المسلمون بالذبح في ذلك اليوم، حيث يذبحون الخراف أو الماعز أو الأبل، في ذكرى تضحية سيدنا أبراهيم – عليه السلام - . قد نوي سيدنا أبراهيم بذبح أبنه أسماعيل – عليهما السلام – أمتثالاً لأوامر الله، ولكن الله أفدى سيدنا أسماعيل بكبش عظيم عندما كان سيدنا أبراهيم على وشك الذبح. إن هذا التطبيق والطاعة المتناهية لسيدنا أبراهيم لله – سبحانه وتعالى – ركن أساسي من أركان الحج، لأنهم يدلوا على الثقة والإستسلام الكامل لله – عز وجل-.

إن الحج هو حدث هام في حياة المُسلم ويجب أن يتم القيام به على الوجه الصحيح الذي وصفه الله – عز وجل – لنا، لأن كل الخطوات في الحج لها مدلول تاريخي.

ما هو الحج في الاسلام ؟

الحج في الإسلام هو حج المسلمين إلى مدينة مكة في موسم محدد من كل عام، وله شعائر معينة تسمى مناسك الحج، وهو واجب لمرة واحدة في العمر لكل بالغ قادر من المسلمين، وهو الركن الخامس من أركان الإسلام، لقول سيدنا  محمد :

«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»

والحج فرض عين على كل مسلم بالغ قادر لما ذكر في القرآن:

 "وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ "

تبدأ مناسك الحج في الثامن من شهر ذي الحجة بأن يقوم الحاج بالإحرام من مواقيت الحج المحددة، ثم التوجه إلى مكة ليقوم بطواف القدوم، ثم التوجه إلى منى لقضاء يوم التروية ثم التوجه إلى عرفة لقضاء يوم عرفة، بعد ذلك يرمي الحاج الجمرات في جمرة العقبة الكبرى، ويعود الحاج إلى مكة ليقوم بـ طواف الإفاضة، ثم يعود إلى منى لقضاء أيام التشريق، ويعود الحاج مرة أخرى إلى مكة ليقوم بطواف الوداع ومغادرة الأماكن المقدسة.

الحج طقس ديني شائع وموجود في كثير من الديانات، وكذلك الحج إلى بيوت كانت موزعة في مختلف مناطق الجزيرة العربية سميت كعبات، ومنها الكعبة في مكة أو ما يشار اليه بالبيت الحرام تحديداً، فالحج إليه موجود من قبل الإسلام، ويعتقد المسلمون أنه شعيرة فرضها الله على أمم سابقة مثل الحنيفية أتباع ملة النبي إبراهيم، مستشهدين بالقرآن:

" وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ "

ويقرون أن الناس كانوا يؤدونها أيام النبي إبراهيم ومن بعده، لكنهم خالفوا بعض مناسك الحج وابتدعوا فيها،ويردون ذلك إلى الحين الذي ظهرت الوثنية وعبادة الأصنام في الجزيرة العربية على يد عمرو بن لحي بحسب الرواية الدينية.وقد حجّ النبي مرة واحدة فقط هي حجة الوداع في عام 10 هـ، ويمارس المسلمون مناسك الحج المأخوذة عن تلك الحجة بإعتبارها المناسك الصحيحة، مستشهدين بقوله: «خذوا عني مناسككم»، كما ألقى النبي خطبته الشهيرة التي أتم فيها قواعد وأساسات الدين الإسلامي.

متى فرض الحج ؟

فرض الحج في السنة التاسعة للهجرة،ويجب على المسلم أن يحج مرة واحدة في عمره،فإذا حج المسلم بعد ذلك مرة أو مرات كان ذلك تطوعا منه، فقد روى أبو هريرة أن النبي محمداً قال:

«يا أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا».

فقال رجل من الصحابة:

"أيجب الحج علينا كل عام مرة يا رسول الله؟"، فسكت النبي، فأعاد الرجل سؤاله مرتين، فقال النبي:

«لو قلت نعم لوجبت، وما استطعتم»، ثم قال: «ذروني ما تركتكم».


شروط الحج خمسة؛

الشرط الأول الإسلام بمعنى أنه لا يجوز لغير المسلمين أداء مناسك الحج.
الشرط الثاني العقل فلا حج على مجنون حتى يشفى من مرضه.
الشرط الثالث البلوغ فلا يجب الحج على الصبي حتى يحتلم.
الشرط الرابع الحرية فلا يجب الحج على المملوك حتى يعتق.
الشرط الخامس الاستطاعة بمعنى ان الحج يجب على كل شخص مسلم قادر ومستطيع.


حوار الأديان بين الأزهر الشريف والفاتيكان .. الجهود والتحديات

الازهر الشريف - الفاتيكان 

أدركَ فضيلةُ الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، والبابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، الدورَ الإنساني المنوط بهما تجاه الإنسانية جمعاء، وشاء الله سبحانه، أنْ يتزامنَ توليهما لمنصبيهما في وقت يجتاح العالمَ فيه العديدُ من المشاكل والأزمات والتحديات على الصعيديْن: المحلي والدولي. فما بين حروب داخلية، وأزمات لاجئين، وإرهاب، وغياب للقيم الأخلاقية في شتى المجالات، وتلاشي لصوت العقل في النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية، وصعود للخطاب الراديكالي اليميني، يجد العالم نفسه تائهًا في لجّة بحر هائج يكاد يعصف بقيم الإنسانية.
وقد فرَض هذا على كلٍّ من مؤسسةِ الأزهر الشريف ومؤسسةِ الفاتيكان أنْ يقوما بالدور المكلَّفيْن به إنسانيًا ودينيًا -وهو الدورُ الممتدُ في جذور وأعماق التاريخ- وأنْ تتشابه رسالتهما ومبادئهما في سبيل إصلاح المجتمعات وتحقيق السلام ونبذ العنف وتعزيز الحوار.
فلقد فرضت المسئوليةُ الإنسانيةُ والدينيةُ على كلٍّ من المؤسستيْن أنْ يسارعا من أجل مواجهة التطرف الحاصل في شتى مجالات الحياة، عن طريق ترسيخ القيم التي يتشاطرها كلٌ منهما، لمواجهة الكراهية والتعصب والعنف المنتشر شرقًا وغربًا. فللأزهر رسالته التي يستمدّها من الدين الإسلامي، والتي يسعى من خلالها إلى تصحيح صورة الدين الإسلامي التي سعت إلى تشويهها جماعاتُ العنف وأعداءُ التسامح وتصرفاتُ الجاهلين. كما يشعرُ الأزهرُ كذلك بمسئوليةٍ تجاه الجماعات المسلمة التي تعيش بين أكثرية غير مسلمة، ولذلك فهو يضطلع بدور كبير في تسليحهم بالقيم الدينية الإسلامية الصحيحة، ومفاهيم التسامح والتعايش، وقيم الحوار التي دعا إليها هذا الدين الحنيف.
ولم تقتصرْ رسالةُ الأزهر الشريف على الإسلام والمسلمين، بل إنّ إيمان المؤسسة برسالة الإسلام الإنسانية العالمية، حتّم عليها أنْ يكونَ الأزهر فاعلًا في المجال الإنساني، مادًا يدَاه بقيمه ومبادئه وبدعوته الإنسانية إلى نبذ العنف، وربط الجسور مع كل الثقافات، ودعم الحوار بين كل المذاهب والأديان من أجل إنسانية أكثر سلمًا وأمنًا للحاضر والمستقبل.
ولمّا كانت كلُّ المشكلات والأزماتِ التي يواجهُها العالم وتعاني منها الإنسانية تعودُ إلى أسباب منها الجهلُ بالآخر، وعدمُ السماع من بعضنا البعض، واتساعُ الفجوة بين الأديان والثقافات، وفقدانُ الوصول إلى الثقافات الأخرى إلّا عن طريق وسائط تفتقر في المجمل إلى الأخلاق والقيم وتُعنى بالإثارة ونشر الخوف والكره بين الأمم عن طريق تصدير صور نمطية مرعبة تبثّها في المجتمعات عن الآخر- أدرك الأزهرُ الشريفُ أنَّ ملفَ الحوار الديني، وبناء الجسور مع الأديان والثقافات الأخرى هو السبيل الأمثل لتبديد تلك الظلمات وإنهاء تلك الأزمات.
آمَنَ الأزهرُ الشريف بأنَّ تغييرَ الصور النمطية السلبية عن الإسلام لن يأتي إلا بالحوار، وأن تعريف الأممِ بالإسلام لن يأتي إلا ببناء الجسور. ولم يكنْ إيمانُ الأزهر بأهميّة الحوار الديني حالةً من ردِّ الفعل على هذه الأزمات التي تحيط بعالمنا، بل إنّ استمداد الأزهرِ رسالته من وحي السماء هو ما دفعه إلى التفاعل والانطلاق من أجل الحوار بالحكمة وبالتي هي أحسن. فرسالةُ الأزهر في قضية الحوار الديني ليست تماشيًا مع العصر، أو تزامنًا مع دعوات وصيحات مؤقتة بسبب مشكلة في الشرق أو الغرب، بل هي معتقدٌ ديني، وواجبٌ إيماني نابعٌ من طبيعة المؤسسة قبل أنْ تكون ردَّ فعل على المشكلات الحالية التي يشهدها عالمُنا.
لقد تنوّعت جهودُ الأزهر الشريف في ملف الحوار الديني، على الصعيديْن المحلي والدولي، فالعلاقة بين الأزهر الشريف والكنيسة المصرية -بكافة طوائفها - تميّزت بالدفء، وتبادل الشعور الطيّب، والاحترام المتبادل، والمشاطرة في الأفراح والأحزان على مدار السنوات الماضية. كما تنوّعت الأنشطةُ الاجتماعية بين الأزهر الشريف والكنيسة المصرية ما بين حوارات ومؤتمرات وندوات وجهود مختلفة في قضايا وهموم وطنية جمعت كلتا المؤسستيْن تحت سقف بيت العائلة المصرية، الذي أسّسه فضيلةُ الإمام الأكبر ليكونَ مشرفًا على ملف دعم الحوار وتعزيز العلاقات بين المؤسستيْن.
أمَّا على المستوى الدولي، فقد كانت السنوات الماضية من المراحل التي أدركَ فيها الأزهرُ الشريف أهميةَ رسالته في ملف الحوار الديني، فدعا الوفودَ والضيوفَ من جميع الأديان والثقافات حول العالم ليجتمعوا في حصنِ الأزهرِ الشريف لتعزيز هذا الملف، ولاستثماره في حل الأزمات التي تواجه العالم شرقًا وغربًا. ولم تتوقفْ جهودُ الأزهر على استقبال الوفود ورؤساء الملل والأديان، بل سارعَ الأزهرُ الشريف، غير مرة، إلى تدشين مؤتمرات عالمية مع قيادات وأعضاء ينتسبون إلى ديانات ومذاهب مختلفة، كاثوليكية وبروتستانتية، ويهودية، وبوذية......إلخ.
وإن الناظر المدقق ليدرك أن الأزهر في حلّه لقضية الروهينجا التي شغلت بالَ الأزهر الشريف كثيرًا- ولا تزال– قام بدعوة رجال الدين من دولة ميانمار، وعقد مؤتمرًا بعنوان "نحو حوار إنساني حضاري من أجل مواطني ميانمار (بورما)".
كما دعا الأزهرُ في "مؤتمر الأزهر العالمي من أجل القدس" أطرافَا من كافة الأديان والمذاهب للتحاور حول هذه القضية الإنسانية، وكان من بين الحضور والمشاركين رجال دين مسيحيون ويهود من جميع أنحاء العالم. وكان من أبرز المؤتمرات التي تعبر عن دور الأزهر في تفعيل قضية الحوار المؤتمر العالمي الحاشد تحت عنوان "الإسلام والغرب: تنوع وتكامل"؛ حيث دعا الأزهرُ الشريف ممثلين عن ثقافات وأديان ومذاهب متنوعة حول العالم، ورجال فكر وسياسة وقانون، وممثلين عن حكومات أوروبية وآسيوية وإفريقية، للحوار وتبادل الحديث حول تعزيز العلاقات بين الأديان والأمم وربط الجسور وهدم الفجوات من أجل مستقبل أكثر سلمًا وأمنًا لعالمنا.
وكان من أبرز الحوارات التي عقدها الأزهرُ الشريف في إطار ملف حوار الأديان، هو ملف الأزهر والفاتيكان، حيث شهدت الفترةُ الأخيرة علاقة طيبة وغير مسبوقة بين مؤسسة الأزهر ومؤسسة الفاتيكان؛ نتجَ عنها ثلاث قمم ثنائية تحدَّث العالمُ أجمع عن أثرها الإيجابي في تحقيق السلم والأمن للعالم شرقًا وغربًا. وترتّب على هذه العلاقات تبادل الزيارات بين فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف، والبابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، وكانت إحدى الزيارتيْن في روما، والثانية في القاهرة داخل الأزهر الشريف، ثم الثالثة وهو اللقاء الأبرز الذي شغل العالم أجمع، ولا يزال أثره ودوره يتردد صداه في الإعلام والجامعات والمحافل الدولية؛ لما له من دور إيجابي في تعزيز السلم والأمن، ونشر ثقافة الحوار بين الثقافات المختلفة؛ حيث شهد هذا اللقاء توقيعًا لوثيقة الأخوة الإنسانية التي تدعو جميع الشعوب من كافة الثقافات والأديان والمذاهب إلى تبنّي ثقافة الحوار وتعزيز العلاقات ونبذ العنف وبناء الجسور وسدّ الفجوات. علاوة على ذلك، قام فضيلةُ الإمام الأكبر بزيارات في إطار تعزيز الحوار، فسافر إلى بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها من الدول غربًا وشرقًا للمشاركة في مؤتمرات وفعاليات تعزّز من قيمة الحوار مع الآخر.
وبالتوازي مع الجهود التي يبذلها الأزهر في هذا المضمار، اضطلعت مؤسسةُ الفاتيكان بدورها الإنساني والديني في سبيل تعزيزِ الحوار ودعمِ ربط الجسور بين الثقافات والأديان والأمم المختلفة، ولا سيما الحوار بين الفاتيكان والإسلام؛ من خلال المقابلات والمؤتمرات والزيارات التي يقوم بها البابا فرانسيس، وكان آخرها زيارته إلى دولة المغرب للتأكيد على القيم الإنسانية والدينية التي دعت إليها قمةُ أبو ظبي بين البابا فرانسيس وفضيلة الإمام الأكبر.
الجدير بالذكر أن ملف الحوار الديني داخل الفاتيكان يشغل حيزًا واسعًا لما له من أهمية شخصية عند البابا، ولما له من دور في إبراز الرسالة العالمية التي تقومُ بها مؤسسة الفاتيكان في العالم. ويهتم البابا فرانسيس على المستوى الشخصي بعدة قضايا، وعلى رأسها قضية اللاجئين في أوروبا، وأزمة صعود اليمين المتطرف المعادي للآخر، وغيرها من المشكلات التي يعي البابا بأنَّ حلَّها يكمنُ في الحوار وفتح أفق ومجال لمعرفة الآخر.
إن الذي يطالع الموقع الرسمي للفاتيكان مطالعةً سريعةً ليدرك المساحةَ التي يشغلها ملفُ الحوار الديني من خلال المؤتمرات التي يشاركُ فيها البابا فرانسيس حول العالم، أو التي يعقدها في مقر الفاتيكان، أو اهتمامه بمشاركة الآخر في أحزانه وأفراحه، أو سرعة الفاتيكان في تهنئة المسلمين في مناسباتهم الدينية وأعيادهم المختلفة على مدار السنوات الماضية، أو احتفاء الفاتيكان والعاملين فيه بوثيقة الأخوة الإنسانية التي وقَّع عليها البابا فرانسيس وفضيلةُ الإمام الأكبر في أبو ظبي.
كذلك لا تتوقف جهودُ البابا فرانسيس في ملف الحوار الديني والحوار بين الثقافات على حد عقد المؤتمرات، أو المشاركة فيها، أو زيارة الدول، واستقبال الوفود، بل تشغل هذه القضية مساحةً كبيرةً من خطابات ومواعظ البابا التي يلقيها على العالم أسبوعيًا. ويصلُ الأمرُ إلى حد تقديم النقد الصريح واللاذع لحكومات ودول وسياسيين في أمريكا وأوروبا بسبب تصرفاتهم غير المقبولة، وبسبب تعنّتهم مع اللاجئين، وبسبب مشاركتهم في إشعال نيران الكراهية والإسلاموفوبيا والعنف والكراهية ضد الآخر. وكثيرًا، ما ينتقدُ البابا فرانسيس تصرفاتِ الحكومات الداعية إلى بناء الحوائط والسدود مع جيرانها، قائلًا بأنَّ العالمَ يحتاجُ إلى جسور وليس إلى حوائط؛ فالعالم في حاجة إلى جسور بين الثقافات والأمم والأديان والمذاهب المتنوعة لمعرفة بعضنا البعض، أمّا الحوائط فما هي إلا سجونٌ لمدن، ولن تأتي إلا بمزيد من المشاكل والصراعات والفتن والاضطرابات.
وأخيرًا، لم يكن ملفَ الحوار الديني سواء بالنسبة للأزهر الشريف أو مؤسسة الفاتيكان سهلًا أو مذلّل العقبات كما يتصوّر البعض، بل كان هناك العديد من العقبات التي واجهت ولا تزال تواجه المؤسستيْن؛ لأنَّه لمّا كان ملفُ الحوار الديني مهمًا لمواجهة العنف والتطرف، استشاطَ المتطرفون والمتعصبون من كافة الأطراف لهذا السعي، ولمّا كان الحوارُ بين الأديان ضروريًا لمواجهة الشطط الإعلامي ودوره السلبي في زعزعة العلاقات بين الأمم، قاوم الإعلامُ السلبي صوتَ العقل والحكمة النابع من حراك الحوار الديني.
ولمّا كان بناءُ الجسور بين الأديان والمذاهب أمرًا مقلقًا للحكومات والأحزاب التي تدعو إلى بناء الحوائط والسدود مع الجيران وباقي الثقافات، استشاطت هذه الحكومات وتلك الأحزاب اليمينية من سعي شيخ الأزهر أو البابا فرانسيس لجهودهما في هدم وإزالة تلك الحوائط واستبدالها بالجسور؛ كذلك لما كان الحديثُ مع الآخر هو السبيل الأول لحل أزمةِ اللاجئين وحسن استقبالهم وتهيئة بيئة ومناخ صالح لهم في غربتهم، قام المتعصبون المنتسبون إلى حركات وأحزاب يمينية متطرفة بحملات تشنيعية ومقاومة لجهود كل من المؤسستيْن في هذا السبيل.
فكما أن الجماعات المتطرفة المحسوبة على الإسلام لا تكفّ عن دعواتِها لمقاومة الحوار مع الآخر، والدعوة لنبذه، والتعصب الأعمى ضدَّه، والهجوم على مؤسسة الأزهر الشريف بسبب رعايتها لهذا الملف، فإنَّه في المقابل لا تكفّ الجماعاتُ اليمينيةُ المتطرفةُ في العديد من مناطق العالم عن الهجوم على البابا فرانسيس بسبب سعيه في تعزيز العلاقات بين المسلمين والغرب، أو بين الأديان عمومًا، وكان آخرُها ما نشرته وكالة رويترز وغيرها من وكالات الإعلام العالمية عن قيام حوالي تسعة عشر رجلًا من رجال الدين المسيحي من بينهم أكاديمي لاهوتي بارز بإعلان هرطقةِ البابا فرانسيس وخروجه عن الكاثوليكية لعدة أسباب، منها توقيعه على وثيقة الأخوة الإنسانية مع فضيلة الإمام الأكبر، شيخ الأزهر الشريف. ولا تتوقف هذه التحديات على مستوى الجهل والتعصّب من قبل جماعات يمينية متطرفة من الجانبيْن، بل تتعدّاها إلى أحزاب سياسية كبيرة في أمريكا وأوروبا يزعجها ما يقوم به البابا فرانسيس في سبيل دعم العلاقات مع الآخر، وفتح أبواب أوروبا للاجئين والمهاجرين، وحسن استضافتهم، وبناء جسور مع الثقافات والمذاهب الأخرى.
وبعد؛ فإنَّ قضيةَ الحوار الديني من أهم الوسائل التي يمكنُ بها محاربةُ العديد من النزاعات والمشاكل التي يَغرقُ فيها عالمُنا المعاصر. فصعودَ الجماعاتِ المتطرفة في الشرق والغرب، وازدياد وتيرة معدلات مظاهر الإسلاموفوبيا، والعنفَ والكرهَ المتبادل بين المجتمعات، وذيوعَ الصور النمطية السلبية عن بعض الثقافات لدى ثقافات أخرى، ومعاناةِ اللاجئين، وحالةَ الفزع الأمني والفكري والاجتماعي، وعدمَ الاستقرار، وغيابَ الطمأنينة، وغيرَها من المشكلات الاجتماعية لا يمكن حلُّها إلّا بطريقة واحدة وهي الحوار والمسارعة في تشييد الجسور والروابط فيما بيننا، وإزالة الحوائط والسدودَ، وهدم الفجواتِ العميقة التي اتسعت بين شرقنا وغربنا. وأنَّه، إذْ يتنافسُ الأزهرُ الشريف ومؤسسةُ الفاتيكان في سبيل ردم هذه الهوة والقيام بهذا الدور على أفضل ما يكون، فإنَّه يتعيّنُ على الحكومات في الغرب والشرق ومعها المنظمات الدولية وعلى رأسهم الأمم المتحدة أنْ تبادرَ في مساندة المؤسستيْن بحيث تتسع دائرةُ الحوارِ لجميع الثقافات وجلِّ الأديان وكلِّ المذاهب، وأنْ ينتقلَ الحوارُ من مستوى النُخبِ إلى الشعوب، ومن المؤتمراتِ إلى الأسواق، ومن دائرةِ التنظيرِ إلى الحراكِ العملي والفعلي، فنرى بالفعل أديانَنا وإيمانَنا قيمًا ومبادئ مطبقة وفاعلةً في الأرض وليست مجرد نظريات وتصريحات.

وأخواتكم من الرضاعة.. إعجاز علمي يرد على الملحدين

بقلم المهندس : عبد الدائم الكحيل 


لنتأمل هذه الدراسات العلمية التي تشهد بصدق القرآن الكريم والسنة المطهرة..

ظل الملحدون يستهزئون بتعاليم الإسلام مثل تحريم زواج الإخوة من الرضاعة. وقد تحداني أحدهم أن نأتي بحقيقة علمية تثبت صدق القرآن الكريم… ولكن العلم ظل لسنوات يجهل السرّ حتى جاء عام 2007 عندما اكتشف أن حليب الأم يحوي خلايا من المرضع تدعى الخلايا الجذعية (أو الجنينية Stem cells) .. ولكن ماذا يعني ذلك؟

التفسير جاء على لسان الدكتورة Foteini Kakulas من جامعة غرب أستراليا والتي قامت ببحث غريب عام 2015 اكتشفت أن حليب الأم ليس مجرد غذاء، بل يحمل الشيفرة الوراثية للأم والتي تنتقل إلى الطفل وتبقى معه طيلة عمره!!

عندما يرضع الطفل من امرأة غير أمه مثلاً فإن ملايين الخلايا الجذعية الخاصة بهذه المرأة تدخل مع الحليب إلى جوف الطفل، وتذهب عبر الدورة الدموية إلى الجملة العصبية والكبد والبنكرياس والعظام … لتصبح خلايا فعالة في تكوين شخصية الطفل ونظام مناعته وطريقة تفكيره…

ولكن ما هو مصير هذه الخلايا الجنينية؟ الغريب أن هذه الخلايا لا تذهب، بل تبقى مع الطفل مدى الحياة!! ليصبح نظام المناعة للطفل شبيهاً بنظام المناعة لدى المرأة التي أرضعته… تماماً كما يحدث بين الأم وطفلها.. لأن كل امرأة لها حليب فريد يختلف عن المرأة الأخرى..

إن الأطفال الذين رضعوا من امرأة واحدة يكتسبون الخصائص المناعية ذاتها والتي لها أثر كبير في تطور هؤلاء الأطفال ونوعية الأمراض التي يصابون بها.. … لأن هذه الخلايا الجنينية تتحول بسهولة في داخل الرضيع إلى خلايا تساهم في تطور الطفل وتبقى معه وتؤثر على سلوكه وشخصيته.. بل تؤثر على نوعية الأمراض التي ستصيبه!!

الاكتشاف الجديد أن حليب الأم يحتوي على Micro RNAs وهي صغيرة جداً ولكنها موجودة بكميات كبيرة جداً في حليب الأم.. وهذه المواد لها خصائص فريدة تختلف من امرأة لأخرى ويمكن أن تتحكم في الآلاف من جينات الطفل وتغير خصائص الشيفرة الوراثية لدى الطفل ويستمر هذا التغيير حتى بعدما يكبر.. ولكن هناك مواد أخرى لم تكتشف بعد ربما يكون لها خصائص تنتقل من المرأة المرضع للطفل …

ويقول العلماء في هذا البحث الذي نشر على مجلة الطبيعة Nature إن الطفل الذي يرضع من امرأة لا يتغذى فقط، بل إنه يكتسب كل الصفات الوراثية للمرأة التي أرضعته!! فالرجل الذي رضع من امرأة غير أمه عندما كان طفلاً (دون سنتين من العمر) فإنه يحمل في جسده خلايا هذه المرأة وكأنها أمه… هذه الخلايا انتقلت مع الحليب الذي رضعه وعاشت معه.. وتقول مجلة الطبيعة: يبدو أن خلايا الأم تنتقل إلى الطفل الرضيع بطريقة شديدة التنظيم فيصبح هذا الطفل جزءاً من هذه الأم…

ويتساءل بعض الباحثين حول النتائج الأخلاقية لإرضاع الأطفال من أمهات غير أمهاتهم.. وما هي النتائج الوراثية التي تترتب على ذلك لاسيما أن الخصائص الوراثية للمرأة المرضع تنتقل بشكل كامل للطفل الرضيع، وبالتالي يأخذ الخصائص الوراثية لهذه المرأة وتصبح هذه الخصائص شبيهة بالخصائص الوراثية لأبنائها الذين أرضعتهم أيضاً… والسؤال: هل هناك نتائج سلبية لزواج الرجل بالمرأة التي أرضعته أو زواجه من إحدى بناتها؟ وبخاصة أن زواج المحارم يمكن أن يسبب أمراضاً وراثية للأطفال.. فما هو حل هذه المشكلة؟؟

الحل قرره لنا القرآن الكريم قبل 1400 سنة، عندما حرّم زواج الأخوة من الرضاعة.. قال تعالى: (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) [النساء: 23]. وقد بيّن النبي الكريم هذه الآية بقوله: (إن الله حرم من الرضاع ما حرم من النسَب) [رواه الترمذي]. لقد أشار القرآن والسنة إلى أهمية الرضاعة بل واتخذ إجراءً عملياً وهو تحريم زواج الإخوة من الرضاعة.. واليوم تأتي هذه الإثباتات من الغرب غير المسلم لتردّ على الملحدين وتشهد على صدق هذا الكتاب العظيم، وصدق هذا النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم.


بقلم عبد الدائم الكحيل


المراجع


https://www.medela.com/breastfeeding-professionals/research/stem-cells-in-breast-milk
https://www.nature.com/articles/s41598-018-32715-5
https://www.sciencenews.org/blog/growth-curve/children%E2%80%99s-cells-live-mothers
http://milkgenomics.org/article/even-to-the-brain-yes-breastmilk-stem-cells-do-transfer-to-organs-of-offspring/

رئيس أساقفة ميريدا والمدبّر الرسولي على أبرشية كاراكاس يندد بتفاقم الأوضاع الانسانية في فنزويلا

فاتيكان نيوز

شن رئيس أساقفة ميريدا والمدبّر الرسولي على أبرشية كاراكاس، الكاردينال بولتزار كاردوزو في مقابلة أجراها معه موقع فاتيكان نيوز الإلكتروني تعليقا على آخر التطورات التي تشهدها بلاده لاسيما على الصعيد الإنساني والمعيشي.
حيث سلط الضوء على الانقطاع الأخير في التيار الكهربائي على كامل التراب الوطني، مشيرا إلى عدم وجود أي مسببات تقنية وراء هذا الحادث الذي ترك ملايين الأشخاص قابعين في الظلام الحالك.

وعبّر في هذا السياق عن تعاضده وقربه من جميع المواطنين الفنزويليين الذين يعانون جراء هذا الوضع الأليم، وذكر بأن الأبرشية التي يدير شؤونها تركت تغريدة على موقع تويتر للتواصل الاجتماعي لدى انقطاع التيار الكهربائي يوم الاثنين الفائت عبرت فيها عن تضامنها مع المواطنين، لافتا إلى أنها المرة الرابعة على التوالي التي تنقطع فيه الكهرباء على كامل الأراضي الفنزويلية.

وشدد في هذا السياق على ضرورة أن تتبنى الجهات المعنية الحلول الناجعة تفادياً لتكرار ما جرى وكي تضمن حصول جميع المواطنين الفنزويليين على الخدمات الأساسية التي تضمن استمرارهم وبقاءهم على قيد الحياة.

واعتبر الكاردينال كاردوزو أن ما جرى يوم الاثنين الفائت يعكس عدم كفاءة النظام الحاكم في كاراكاس، مشيرا أيضا إلى أنه على الرغم من عودة التيار الكهربائي على التراب الوطني ما يزال التقنين مستمرا في ميريدا وباقي المناطق الفنزويلية.

وأوضح أن المواطنين اضطروا لتغيير نمط حياتهم كي تتأقلم مع النقص في جميع الخدمات الأساسية، مضيفا أن النظام يسعى إلى توفير التيار الكهربائي في العاصمة كاراكاس، وهو حريص على عدم انقطاعه لفترات طويلة، لكن الوضع مختلف في باقي المناطق حيث تنقطع الكهرباء لساعات وحتى لأيام.

وأكد نيافته أن النظام يعز السبب دوماً إلى هجمات تتعرض لها المنشآت الكهربائية من قبل من يسميهم بأعداء النظام، في وقت يتحدث فيه الخبراء الفنزويليون، ومنذ العام 2010، عن مشكلة انعدام أشغال الصيانة بالنسبة للشبكة الكهربائية بأسرها.

وأشار إلى أن هذه المشكلة تلقي بثقلها على حياة المواطنين، نظرا لانعكاسها على قطاع النقل، بالإضافة إلى استحالة الحفاظ على المواد الغذائية في بلد استوائي حيث يُسجل ارتفاع كبير في درجات الحرارة في معظم المناطق الفنزويلية. وكل هذا يزيد من تفاقم الأزمة الرهيبة التي تجتازها البلاد حاليا، كما قال.

وتابع الكاردينال كاردوزو حديثه لموقعنا مؤكدا أن استمرار الأزمة في فنزويلا سيساهم في تفاقم الأزمة الإنسانية الخطيرة، لافتا في هذا السياق إلى عدم احترام حقوق الإنسان الأساسية ليس تجاه الأشخاص الضعفاء وحسب، الذين هم من أوائل ضحايا الأزمة، إنما حيال السكان أجمعين. وهذا أمر يدفع بالمزيد من المواطنين نحو النزوح والبحث عن حياة كريمة خارج البلاد.

في ختام حديثه لموقع فاتيكان نيوز الإلكتروني ذكّر نيافته بالنداء الذي أطلقه البابا فرنسيس بعد صلاة التبشير الملائكي ظهر الأحد الرابع عشر من تموز يوليو الجاري وقال فيه: أيها الإخوة والأخوات الأعزاء أرغب مرّة أخرى في أن أعبّر عن قربي من شعب فنزويلا الحبيب، الممتحن بسبب استمرار الأزمة.

لنرفع صلاتنا إلى الرب لكي يُلهم وينير الأطراف المتورّطة، لكي تتمكّن من أن تصل في أسرع وقت إلى اتفاق يضع حدًّا لألم الأشخاص من أجل خير البلاد والمنطقة بأسرها.

هذا وكان موقع فاتيكان نيوز قد أجرى مقابلة الأسبوع الماضي مع رئيس مجلس أساقفة فنزويلا المطران خوسيه لويس أيالا الذي أعرب عن امتنان جميع الأساقفة الفنزويليين للبابا فرنسيس على التعبير المستمر عن قربه من بلادهم. وقدم صورة عن الأوضاع الراهنة في هذا البلد مشيرا إلى النقص الحاد في المواد الغذائية والأدوية، فضلا عن انقطاع المياه والتيار الكهربائي وتوقّف حركة النقل. وقال إن هذا هو الوضع الذي تعاني منه فنزويلا حيث يعيش زهاء ستة ملايين شخص في ظروف مأساوية، فيما أرغم أكثر من أربعة ملايين مواطن فنزويلي على ترك البلاد.

وأشار إلى أهمية حدوث تغيير سياسي في فنزويلا، وإلا لن تشهد البلاد أي تبدّل اقتصادي أو اجتماعي، مشيرا إلى ضرورة السير في الاتجاه الذي يحدده الدستور وتنظيم انتخابات جديدة تكون مرفقة بسلسلة من الضمانات، مع إفساح المجال أمام مشاركة المواطنين الفنزويليين المقيمين في الخارج، وكل ذلك تحت إشراف الجماعة الدولية.

تجدر الإشارة هنا إلى أن الأساقفة الكاثوليك في فنزويلا، وفي ختام أعمال جمعيتهم العامة السنوية مطلع هذا الشهر، كانوا قد أطلقوا نداء دعوا فيه إلى تغيير النهج المتّبع مطالبين بخروج القادة الذين لا يتمتعون بأي صفة شرعية عن الساحة السياسية وبإجراء انتخابات سياسية في أسرع وقت ممكن كي يختار الناخبون الفنزويليون رئيساً جديداً لبلادهم التي تشهد مواجهة بين الرئيس نيكولاس مادورو وزعيم المعارضة خوان غوايدو.


أسقف أبرشية بيمبا في موزمبيق يطالب بوضع حد لأعمال العنف

فاتيكان نيوز

نشرت وكالة سير الكاثوليكية للأنباء مضمون رسالة من أسقف أبرشية Pemba في شمال موزمبيق المطران البرازيلي الأصل Luiz Fernando Lisboa رسالة مفتوحة إلى سكان محافظة Capo Delgado الشمالية مشيرا إلى وجود قوى خفية تسعى منذ أكثر من سنة ونصف إلى فرض مصالحها الخاصة في المنطقة ولا تتردد في قتل مئات الأشخاص، وحرق القرى والكنائس والمساجد، زارعة الدمار في كل مكان.
هذه الرسالة التي وصفتها وكالة سير الكاثولوكية بالشجاعة، موضحة أن الأسقف ليسبوا كتبها من أجل تسليط الضوء على الأوضاع الخطيرة الراهنة في المنطقة المذكورة حيث تنشط منذ شهر أيلول سبتمبر من العام 2017 مجموعات مسلحة إسلامية قدم عناصرها من البلدان المجاورة لموزمبيق فضلا عن تشكيلات أخرى متمردة. وأوضحت الوكالة أن منطقة كابو ديل غادو غنية جداً بالأحجار الكريمة وموارد طبيعية أخرى.

ولفت أسقف أبرشية بيمبا في رسالته، التي تحمل تاريخ الثامن عشر من تموز يوليو الجاري، إلى أنه يرغب في إطلاق نداء إلى جميع الأشخاص ذوي الإرادة الصالحة، كي لا يستسلموا أمام أعمال العنف ولا يكلّوا في المطالبة بإحلال العدالة والسلام. وأضاف أن عناصر المجموعات المتمردة يظهرون ويختفون كأشباح وينشطون عندما لا ينتظرهم أحد، تاركين وراءهم آثار الدمار. وشاء سيادته أن يوجّه أصابع الاتهام إلى جهات خفية ومجهولة تقف وراء نشاط هذه المجموعات الإرهابية واعتبر أنه من الأهمية بمكان أن يُدرك المواطنون من هي تلك الجهات كي يتمكنوا من الدفاع عن أنفسهم والتصدي لهذا الشر بالطريقة الملائمة.

وتطرق المطران ليسبوا في رسالته أيضا إلى زيارة رعوية قادته مؤخرا إلى منطقة بالما حيث التقى بمئات الأشخاص المشردين والذين أُرغموا على ترك أرضهم وبيوتهم، ومن بين هؤلاء كثيرون فقدوا أحباءهم، فضلا عن وجود عدد كبير من الأطفال الذين لا يترددون إلى المدارس لأنها أقفلت أبوابها نتيجة الأوضاع الأمنية المتردية. وأكد سيادته أن الكنيسة الكاثوليكية المحلية والمعاهد والجماعات التابعة لها تعيش هي أيضا في أجواء من الخوف الشديد وانعدام الأمن.

وتوجّه الأسقف أيضا إلى السلطات في موزمبيق مطالباً إياها بفتح تحقيقات واضحة المعالم في تلك الانتهاكات والجرائم الخطيرة المرتكبة في محافظة كابو ديل غادو، وتساءل عن إمكانية وجود علاقة بين ما يجري هناك وعملية تهريب الأعضاء البشرية، وتبييض الأموال، واستخراج الأحجار الكريمة. ووصف سيادته الأوضاع الراهنة في المنطقة بالصعبة للغاية معتبرا أن السكان المحليين هم بأمس الحاجة إلى الرجاء والسلام والمصالحة.

تجدر الإشارة هنا إلى أن البابا فرنسيس كان قد استقبل الخريف الماضي رئيس جمهورية موزمبيق السيد فيليب جاسينتو نيوزي. وللمناسبة نشرت دار الصحافة الفاتيكانية بيانًا جاء فيه أنه تمت الإشارة خلال المحادثات الودية إلى العلاقات الجيدة بين الكرسي الرسولي وموزمبيق والتقدير لإسهام الكنيسة الكاثوليكية في قطاعات المجتمع المتعددة، مع إشارة إلى الاتفاقية الثنائية التي تم التوقيع عليها عام 2011.

وتم التطرق أيضًا خلال المحادثات إلى الوضع الاجتماعي - السياسي للبلاد إضافة إلى عملية المصالحة الوطنية الجارية، مع أمل التوصّل إلى سلام مستقر ودائم. وأضاف البيان أنه جرى تبادل للآراء حول مكافحة الفقر والفساد، وحول التعاون الاقتصادي لموزمبيق مع بلدان أخرى. يُذكر أيضا أن البابا فرنسيس سيقوم بزيارة رسولية إلى كل من موزمبيق ومدغشقر وموريشيوس وذلك من الرابع وحتى العاشر من أيلول سبتمبر المقبل، ذلك تلبية لدعوة من رؤساء هذه الدول والأساقفة. وسيزور الأب الأقدس مدينة مابوتو في موزمبيق، وأنتناناريفو في مدغشقر، وبورت لويس في موريشيوس.


الكاردينال باسيتي: قد يصبح المهاجرون كبش محرقة لأسباب إجتماعية عدة

الفاتيكان نيوز


صرح أسقف أبرشية Perugia-Città della Pieve ورئيس مجلس أساقفة إيطاليا الكاردينال غوالتييرو باسيتّي أن المهاجرين يواجهون اليوم خطر التحوّل إلى كبش محرقة لاستياء اجتماعي له مسببات عدة.
جاءت كلمات نيافته في رسالة وجهها إلى جميع الأساقفة الإيطاليين لمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للمهاجر واللاجئ 2019 والذي يُحتفل به في الأحد الأخير من شهر أيلول سبتمبر ويصادف هذا العام التاسع والعشرين منه. وأضاف باسيتي أن الكنيسة تدرك جيداً مدى الانقسام السائد اليوم في المجتمعات حول هذا الموضوع، وحتى داخل الجماعات الكنسية الكاثوليكية. وحذر من مغبة تنامي الخوف وانعدام الشعور بالأمن حيال ظاهرة الهجرة.

ورأى نيافته أن اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ يكتسب هذا العام أهمية كبرى بالنسبة للجميع، مذكراً بأن البابا فرنسيس يؤكد أن حضور المهاجرين واللاجئين في بيئاتنا ومجتمعاتنا يشكل بحد ذاته دعوة من أجل استعادة بعض الأبعاد الأساسية لوجودنا المسيحي ولإنسانيتنا. وشجع رئيس مجلس أساقفة إيطاليا جميع المؤمنين على المشاركة في القداس الذي سيحتفل به البابا فرنسيس في تلك المناسبة في ساحة القديس بطرس بالفاتيكان مشيرا إلى أن هذا الاحتفال الديني يشكل مناسبة ملائمة للتجمّع حول البابا والتعبير له عن امتناننا لتعاليمه الشجاعة. وختم قائلا إنه إذا قامت كل رعية بإرسال وفد منها إلى هذا القداس الاحتفالي ستساهم في التعبير عن شركة الكنيسة وقربها من البابا.

وكان فرنسيس قد وجّه رسالة فيديو لمناسبة اليوم العالمي للمهاجر واللاجئ قال فيها إنَّ الأمر لا يتعلّق بالمهاجرين وحسب وإنما بعدم تهميش أحد. إنّ العالم الحالي يصبح يومًا بعد يوم أكثر نخبويّة وأكثر قساوة مع المهمّشين، والبلدان النامية لا زالت تستنفد أفضل مواردها الطبيعية والبشريّة لصالح بعض الأسواق المميزة. إنَّ الحروب تضرب فقط بعض مناطق العالم، ومع ذلك فصنع وبيع الأسلحة يتمُّ في مناطق أخرى لا تريد بعدها أن تعتني باللاجئين ولا تريد أو تقبل هؤلاء المهاجرين الذين ليسوا إلا نتيجة لهذه النزاعات. إن الكنيسة التي تخرج وتنطلق تعرف كيف تبادر بدون خوف وتذهب لتلتقي وتبحث عن البعيدين لتصل إلى تقاطعات الطرق لتدعو المهمّشين، أولئك الذين نهمّشهم نحن كمجتمع. وأضاف البابا أن التنمية الإقصائيّة تجعل الأغنياء أكثر غنى والفقراء أكثر فقرًا؛ أما التنمية الحقيقية فهي التي تهدف إلى الإدماج، فتدمج جميع رجال ونساء العالم، وتعزز نموّهم الشامل وتعتني بالأجيال المستقبليّة.
في سياق متصل عبرت الكنيسة الكاثوليكية في إيطاليا عن استعدادها لتوفير الضيافة لخمسين مهاجراً من أصل مائة وستة عشر يتواجدون على متن سفينة Gregoretti التابعة لخفر السواحل في إيطاليا وذلك بعد التوصل إلى اتفاق على المستوى الأوروبي يفسح المجال أمام هؤلاء بالنزول إلى البر كي يتم توزيعهم على خمسة بلدان أوروبية. وكان وزير الداخلية الإيطالي Matteo Salvini قد أعلن يوم أمس الأربعاء أنه أعطى الإذن بشأن نزول الركاب إلى اليابسة مشيرا إلى أن المشكلة وجدت حلاً بعد أن عبرت الدول الأوروبية الخمس على استعدادها لتقاسم الأعباء مع إيطاليا وهي ألمانيا، البرتغال، فرنسا، اللكسمبرغ وإيرلندا.

وقد جاء في بيان صدر عن المكتب الوطني للاتصالات الاجتماعية التابع لمجلس أساقفة إيطاليا أن خمسين من هؤلاء المهاجرين ستتم استضافتهم في مركز Mondo Migliore أي "عالم أفضل" الكائن في بلدة Rocca di Papa بمحافظة روما. أوضح البيان أنه بهذه الطريقة تعبّر الكنيسة الكاثوليكية الإيطالية، ومن خلال هيئة كاريتاس الخيرية، عن التزامها في استخدام مواردها المهنية والاقتصادية بغية الاستجابة لطلب تقدّمت به وزارة الداخلية الإيطالية إلى الكنيسة كي توفّر هذه الأخيرة الضيافة والمساعدة المادية والقانونية لهؤلاء الأشخاص. وختم بيان مجلس أساقفة إيطاليا مؤكدا أن المبادرة، التي تنسجم مع إجراءات مماثلة تبناها المجلس، تندرج في سياق التعاون القائم بين الدولة الإيطالية والكنيسة الكاثوليكية في مجال مساعدة واستضافة المهاجرين واللاجئين.


من نحن

  • مجلة كاسل الرسالات السماوية معنية بتوضيح مفهوم الدين الصحيح السمح الوسطى والمعايشة السلمية وقبول الآخر فى مجتمع واحد متناسق الأطراف  
  • 0020236868399 / 00201004734646
  • عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.